الاثنين، 28 يونيو، 2010

وأنت .. ماذا ستعطين دمي أيتها الغيوم ؟!*


عن سماء عيسى مثقفا وانسانا

( 1 )

لا أذكر متى بالضبط سمعتُ باسم سماء عيسى لأول مرة.. لعل ذلك كان في بداية التسعينيات، حيث كنتُ متابعاً شغوفاً للملحق الثقافي لصحيفة عمان الذي كان يصدر كل خميس .. كنتُ أشعر بالرهبة لمجرد سماع الاسم : سماء عيسى .. لم نتعود على هكذا أسماء في عُمان .. تُرى لماذا اسم هذا الشاعر مختلف عن البقية!.. غموض الاسم يشدك الى صاحبه ،"الجميل هو الغامض " ، لعل بودلير قال شيئا كهذا ، و" ما الجمال إلا بداية الرعب" كما يقول ريلكه.. شيئا فشيئا بدأتُ أتعرف على هذا الشاعر عن بعد ، عن طريق زميلي في الدراسة الجامعية آنذاك الكاتب عبدالله خميس ، الذي لم أعد أذكر أهو أم غيره من أعارني كتاب "نقد الأمل" لقاسم حداد المتضمن مقالة عنوانها "سماء عيسى" ، وكنتُ أتساءل قبل أن أقرأ المقالة بالقدر الذي يتيحه لي وعيي آنذاك : لماذا يضمّن حداد سماء عيسى في كتاب عن الأمل ؟!! ، ما علاقة هذا الأخير بالأمل وأنت يكفيك فقط أن تتأمل عناوين كتبه التي صدرت حتى تلك الفترة ( "نذير بفجيعة ما" ، "مناحة على أرواح عابدات الفرفارة" ، "لا شيء يوقف الكارثة" ) لتدرك أنْ لا أمل ولا ولا تفاؤل ولا حياة ، وليس سوى الموت والفجيعة واليأس .. غير أن قاسم حداد لم ينس توضيح هذا الالتباس في مقالته تلك بتأكيده أن "الأمل ليس في أن تهبنا إياه القصيدة، الأمل في درجة اليأس الذي تدفعنا إليه" .. أعترف أن تلك المقالة هي بداية البداية في تصالحي مع قصيدة النثر ، أنا القادم من خلفية اجتماعية ، بل وثقافية ، لا تسمي شعراً الا كل موزون مقفى .. هذا التصالح الذي لن يتم الا بعد عدة سنوات نتيجة نقاشات معمقة مع الصديق الشاعر علي الرواحي .
(2)
لا أذكر على وجه الدقة متى قابلت سماء عيسى شخصيا للمرة الأولى .. على الأرجح كان ذلك في النادي الثقافي في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، في احدى أمسيات المأسوف على شبابها أسرة كتاب القصة .. ما أذكره حقا أنني في احدى تلك اللقاءات الأولى بسماء عيسى كنتُ ممتعظاً داخلي من الصديق القاص ناصر المنجي الذي سمعتُه يخاطب الشاعر باسم "سماء" مجردا دون أن يسبقها بعبارة "أستاذ" ، هكذا ببساطة وكأنه يساويه في العمر والتجربة ، ثم سمعتُ بعد ذلك بسنوات مازن حبيب الأصغر بخمس سنوات من ناصر المنجي ينادي الأستاذ باسمه الأول كذلك بدون ألقاب .. قلتُ في نفسي انه التواضع الجم للأستاذ ، والحميمية التي يُشعرك بها تجاهه وكأنه صديق في نفس عمرك .. تأكدتُ من ذلك خلال سنتَيْ عملِنا سوياً في جمعية الكتاب ، وعلى وجه الخصوص خلال رحلتنا سويا الى دمشق في نوفمبر 2008 ، ومن بعدها خلال رحلتنا الى البريمي في يوليو 2009 ، حيث كان سماء "شبابياً" بالمعنى الدارج للكلمة ، ضاجا بالحيوية ، وعشق استكشاف المجهول .. ولكني – مع ذلك - لم أجرؤ على مخاطبته باسمه مجردا ، بدون سبقه بلقب "أستاذ" .
( 3 )
"تجربة وخلينا نخوضها".. هكذا قال لي سماء في مكالمة هاتفية ذات مساء في يناير من عام 2008 .. كنتُ في اليوم ذاته قد قابلتُ في مقهى الكون بمجمع العريمي الصديقين سعيد الهاشمي وناصر البدري، وعرضا عليَّ الدخول في قائمة الأخير في انتخابات جمعية الكتاب والأدباء المقررة بعد حوالي شهر من ذلك اللقاء .. كنتُ مترددا في قبول العرض بسبب ارتباطي برئاسة أسرة القصة بالنادي الثقافي آنذاك ، خاصة وأنها – أي الأسرة – كانت تبلي بلاءً حسنا في تلك الأيام بتشجيع من رئيس النادي الشاعر سيف الرمضاني ، وكنتُ أخشى ان أنا وافقتُ أن تتشتت جهودي بين الجمعية والأسرة فأصير كالمنبتّ الذي لا سماء أبقى ولا أرضاً قطع .. كانت نقطة التحول الفاصلة في موقفي خلال ذلك الحوار مع الهاشمي والبدري اخبارهما لي أن سماء عيسى وافق على الانضمام للقائمة .. طلبتُ منهما مهلة قصيرة للتفكير وأنا أقول في نفسي : "ان تأكد هذا الأمر فهذه دفعة معنوية كبيرة ".. في المساء اتصلتُ بسماء وأخبرته بعرض البدري والهاشمي فقال : "تجربة وخلينا نخوضها". ظل سماء عيسى دوماً لا يتردد في خوض التجارب الجديدة ، كتب عنه الشاعر زاهر الغافري مرة : " لم تترك فعالية وجدتَها أصيلة إلا وسعيتَ للمشاركة فيها ، ذلك لأنك لا تبحث سوى عن الجوهر ، عن ذلك الأصيل الضارب في الجذور ، الذي تراهن عليه طبقات عبر طبقات ، تراكماً عبر تراكم مهما كان ضئيلاً ، ليتشكل الوعي الثقافي ولتورق شجرة المعرفة عبر دأب صبور لكنه صادق " ، غير أن هذا الشغف بخوض التجارب لن يكون مفتوحاً على مصراعيه ، فقد ينسل سماء من التجربة كالشعرة من العجين ان شَعَر أنها غير خالصة تماماً لوجه الثقافة ، أو أنها ستضعه في مواجهة غير ضرورية مع أصدقاء أو مثقفين ، وله في ذلك أمثلة كثيرة لا داعي لذكرها الآن .
خضتُ التجربة اذن بتشجيع من سماء الذي أثبتت الأيام – بالنسبة لي على الأقل – أنه كان يسير بنا في الاتجاه الصحيح ، فبقدر ما هي تجربة تطوعية الهدف منها خدمة الآخرين ، بقدر ما هي مفيدة بالضرورة للمرء المضطلع بها ، اذْ تصقل شخصيته ، وتكسبه مهارات التعامل مع سويات مختلفة من البشر ، وقبل هذا وذاك تعرّفه على المشهد الثقافي عن قرب بكل ماله من مزايا وما عليه من عيوب .. وخلال تلك السنتين لا أذكر مشروعاً ثقافيا جميلاً للجمعية لم يكن لسماء يد فيه ، بدءاً من تأسيس جائزة أفضل الاصدارات العُمانية التي باتت تقليدا سنويا ، ومرورا بترسيخ عادة الاحتفال بالأيام العالمية للشعر والمسرح والفلسفة ، وتنظيمه ندوات ثقافية نوعية كندوة التصوف في الفكر العماني التي كانت بالتعاون مع النادي الثقافي ، وندوة أعلام التنوير العماني ، التي لم ترَ النور بعد، وليس انتهاء بجائزة الانجاز الثقافي البارز .. هذه الجائزة التي أراد سماء من خلالها أن يؤكد على أمر مهم جدا لا ينتبه له كثير من المثقفين ، وهو أن العمل الثقافي ليس فقط كتابة نص أدبي أو مقال أو بحث ، ثم نشره في كتاب ، أو القائه في أمسية ، رغم أهمية هذا الأمر .. ولكن أيضا المشاركة بفاعلية في الحراك المجتمعي ، وتوعية الناس ، وتنظيم الفعاليات الثقافية وادارة الفعل الثقافي المنظم من خلال عمل ميداني مضنٍ ، لا يقل أهمية عن عمل الكتابة .. لذا فان من حق هؤلاء الذين يحترقون كالشموع من أجل الآخرين دون انتظار مقابل أن يجدوا من يلتفت لعملهم ويقول لهم : "شكرا".. ولعمري ان كان من شخص استطاع أن يمازج بين عمل الكتابة والعمل الميداني بامتياز فهو سماء نفسه ، الذي لم يترك فرصة لعمل ثقافي من أجل الآخرين ولم يستثمرها .. ظل طوال الوقت الشجرة وارفة الظلال التي يستظل بها المثقفون على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم ، شعراء كانوا أو قاصين أو سينمائيين أو تشكيليين أو مسرحيين . كباراً كانوا أو في مقتبل العمر .. كل ذلك بمحبة كبيرة واخلاص ودون شبهة رياء أو ادعاء .. وأين من سماء بعض أولئك الذين وضعتهم ظروفهم في المسؤولية الثقافية فباتوا يهتمون بنسبة المشاريع لأنفسهم أكثر من اهتمامهم بالمشاريع ذاتها ! .
( 4 )
يقال انك اذا أردتَ التعرف على رجل فصاحبه في سفر ، وأستطيع القول بالفعل أنني اقتربت من سماء عيسى وتعرفتُ عليه أكثر خلال رحلتنا الى دمشق في نوفمبر 2008 للمشاركة في اجتماع المكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب من جهتي ، وفي المهرجان الشعري المصاحب له من جهته .. ترسخ في ذاكرتي من هذه الرحلة تنزهنا في دمشق وأسواقها الجميلة ( صحبة الصديقين مازن حبيب ومحمد قراطاس المشاركين في الأسبوع الثقافي العماني في سوريا الذي أ قيم في الفترة ذاتها ) .. هناك رأيتُ سماء عيسى خاشعاً مرتين : الأولى أمام قبر صلاح الدين الأيوبي ، والثانية في الجامع الأموي أمام قبر الحسين والسيدة زينب .. وهناك أيضا استمعتُ لسماء عيسى كما لم أستمع له من قبل ، الوقت الذي كنا نقضيه سويا أتاح لنا تجاذب أطراف كثيرة للحديث ، تحدثنا عن الشعر والشعراء ، عن جمعية الكتاب وأعضائها ، عن الثقافة والمثقفين ، عن الفعاليات الثقافية والأسر ، واذا بي أكتشف أن صمت سماء في عُمان هو صمت الحكيم الذي يعرف كل خبايا المشهد الثقافي العُماني ولكنه يؤثر الصمت وعدم الدخول في مشاحنات مع هذا أو ذاك .
بعد ذلك بأقل من عام ، وتحديدا في يوليو 2009 ، كنا سويا أيضا في الملتقى الأدبي الخامس عشر للشباب بالبريمي .. ومما أذكره في هذه الرحلة أننا كنا نتجول في أسواق العين أنا وسماء ويحيى المنذري في سيارة الأخير ، مررنا على أحد المولات واشترينا أشياء رسخت في الذاكرة منها دشاديش نوم .. وعرجنا على أحد المطاعم وتناولنا عشاءنا .. وفي طريق العودة ضلت سيارة يحيى المنذري سواء السبيل ، فاقترح سماء عيسى ايقاف تاكسي والطلب منه أن يمشي أمامنا .. وبالفعل أوقفنا التاكسي وركب فيه سماء ومشى أمامنا . وكالعادة ، كان سماء يسير بنا في الاتجاه الصحيح .
( 5 )
ختم امبرتو ايكو رائعته "اسم الوردة" بعبارة ذات مغزى: "كانت الوردة اسماً ، ونحن لا نمسك الا الأسماء" .. ولكن من ذا الذي يستطيع مسك اسم شاعر طابَ له – حسب قاسم حداد - أن يتقنَّعَ بالسماء، "كمن يريد أن يقول لنا أنه يرى إلينا.. إلى واقعنا من هناك، من الأعالي، دون أن يزعم ذلك أو يدعيه".. ثم لم يكتف بسماء واحدة – حسب صالح العامري هذه المرة - "فقد استمرأ السماوات فأطلق اسم سماء على ابنته"، ليدخل في سلسلة من المفارقات والطرائف التي لا تنتهي بسبب اسمه ، دافعاً ضريبة اختياره اسمه بملء ارادته ، على عكسنا نحن الذين لم نختر أسماءنا ولم يستشرنا أحد فيها .. وفي تصوري لو أن سماء عيسى قرر الكتابة عن المفارقات التي تعرض لها في حياته بسبب اسمه لأنتج نصاً ابداعيا مدهشا .. في سوريا سبقوا اسمه في جدول الشعراء المشاركين في الجلسات الشعرية بلقب "الشاعرة" ، ولم يكتفوا بذلك ، بل أعدوا له بطاقة ليضعها في صدره مسبوقة أيضا بلقب "السيدة".. وآخر هذه المفارقات التي وقفتُ عليها شخصيا كانت في أبريل 2010 لدى مشاركته لي في حوار هاتفي للبرنامج الاذاعي المباشر "ترحال" عن بيت الشعر العُماني ( أحد المشاريع الثقافية الكثيرة التي يحلم سماء بتحقيقها ) ، حيث كنتُ قد سلمتُ مخرجة البرنامج منى المسلمية قائمة بأسماء ضيوف الحلقة يتم الاتصال بكل منهم خلال ساعتي الحلقة .. وعندما جاء دور سماء عيسى ووضعتْه في الانتظار تأهباً لبدء الحوار قالت تطمئنني : "الضيفة جاهزة ، لكن صوتها بهش شوية كنه صوت رجل ! ".
( 6 )
في شهادته عنه وصف الشاعر والقاص عادل الكلباني سماء عيسى بـ"الأب"، وهو بهذا كان يعبر عن مشاعر كثير من الكتاب الشباب الذين أخذ سماء بأيديهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر .. فها هو حمد الغيثي يكتب في أحد المواقع الالكترونية تعليقا على خبر أمسية "روتْ لي جدتي" ( التي نظمتها أسرة كتاب القصة في 21/8/2007 وقدم فيها سماء ورقة عن توثيق الحكاية الشعبية ) : "كنت أعلمُ أنه "حداثياً" يكتبُ قصيدة النثر. لذا ظننتُهُ مخلوقاً أرستقراطياً أو روبوتاً آلياً يتحركُ بثقلٍ غير طبيعي. هكذا كنتُ أظنه. إلاّ أنني قابلتُه مصادفةً في احدى الليالي المسقطية مع صديقٍ عزيزٍ، فخيّب الوالد سماء عيسى كُلّ التوقعات! .. سماء عيسى شخصية أثيريةٌ لطيفةٌ، تأنسُ الروح بها، ويتألقُ الجو بلمساته" .. اننا ازاء فتى لديه موقف مسبق على ما يبدو ممن يكتبون قصيدة النثر فيضعه حاجزاً بينه وبين الشاعر ، ولكن سماء بدماثته ولطافة تعامله استطاع أن يكسر هذا الحاجز .. يحاول سماء دائما أن ينظر الى النصف المملوء من الكأس ، وان أعجبه نص فانه لا يتأخر عن ابداء هذا الاعجاب .. واذا كان سماء قليل الكلام عن قصيدته وكيف يكتبها فان بامكاننا التلصص عليه شاعراً من خلال نصائحه الثمينة لعادل الكلباني التي جعلها جزءا مهما من شهادته عنه في صحيفة الزمن: " ان الشعر يلمح ولا يصرح، وان الشعر مختبئ في الأعماق البعيدة حيث الجرح الدفين، حيث نبع الشعر، والذي يعد صعب المنال نظرا لوعورة الطريق الشاق ، نكتب كثيرا لكن يبقى في الأخير قليلا مما كتبنا، فما نحن مقدمون عليه مجهول حقا، وسيظل دائما بحاجة الى الكشف حتى ونحن نلفظ أنفاسنا الأخيرة، علينا ادراك اننا لم نبدأ الكتابة بعد، اقرأ بهدوء وانظر كيف تشكلت الجملة الشعرية،كيف تركبت المفردات بعضها ببعض، قد لا نحتاج الى زائد الكلام وفائضه ، تجارب كهذه تختزن طويلا وعميقا في ذاكرة الشاعر وتؤتي عطاءها بعد سنين من النضج الفني، عندما تكتب الشعر لا تقدم الاجابة على الأسئلة لأن ذلك يلغي تطور الجملة الشعرية ويقفل أمامك الباب لتراكمها الخاص ، عليك أن تهتم بما يدعى التأثيث الداخلي للنص لا الكلام العام الخارجي ضعه متماسكا سواء قدم نفسه عبر مقاطع أو كتلة واحدة ، لا تذهب في كلام لا نهاية له يكون كل من يريد الكتابة مثله يكتب دون خلق علاقات بين الأشياء داخل النص ، النص يخلق علاقاته الخاصة والكلمات هي التي تحمل هذه العلاقات عبر الصور وعبر تماسكها الموسيقي لذلك تجدها مكتنزة بالايحاء والنظرة الجديدة للأشياء والالتفات الى ما لا يلتفت اليه الآخرون ، بعض الصور مكررة وبائسة ومستهلكة ، ربما قراءاتك الاولى لم تستطع التخلص منها حتى الآن فهي ما تشكل ذاكرتك وقاموسك الشعري، عليك أن تبدأ قراءة التجربة الشعرية العربية الحديثة من جديد ، شاعر موهوب تنقصك الجدية في التعامل مع اللغة، والارتكان الى السهولة في الكتابة يعيق قدرة خلق الصورة لديك، حاول أن تقرأ الكتب التي عالجت ثورة الشعر مثلما هو في كتاب – عبدالغفار مكاوي ( ثورة الشعر الحديث جزئين ) وكذلك الدراسات النقدية التي كتبت حول شعراء كبار لابد ذلك ان يضيء لك دربا في الطريق "
( 7 )
عرف بوب ديلان الشاعر بأنه أي شخص لا يقول عن نفسه إنه شاعر .. لعله كان يقصد أن القصيدة نفسها هي وحدها المعبرة عن أي شاعر ، أما تنظيراته وآراؤه في الشعر فليست الا ثرثرة فائضة عن الحاجة .. ولا أدري ان كان سماء عيسى ينطلق من تعريف ديلان هذا في رفضه الحوارات الصحفية أو الاذاعية عن تجربته الشعرية ، ولكن ما أعرفه حقاً أن سماء لم يرفض يوماً أي شهادة عن شاعر أو مثقف عُماني ، حتى انه سمى نفسه مرة "عيسى شهادات".. حسنا .. هذه هي الوصفة اذن : ان أردتَ لسماء عيسى أن يبوح بهواجسه وآرائه ، ويتحدث عن نفسه وعن تجربته بطلاقة وأريحية فلا تطلب اليه ذلك مباشرة ، بل اطلب منه الشهادة على مثقف عُماني آخر ، وحبذا لو كان هذا صديقا له أو مجايلا لتجربته .. سأدلل على ذلك من خلال تحليل سريع لخمس شهادات تشرفتُ بطلبها منه عن أصدقائه المبدعين والمثقفين : أربع منها للاذاعة ، والخامسة لجمعية الكتاب .. في هذه الشهادات الخمس ستتعرف على سماء عن قرب بنفس الدرجة التي تتعرف خلالها على المثقف المشهود له .. ذلك أن سماء سيختار نقاط تشابهه وتقاطعه هو مع هذا المبدع ، لكأنه يتحدث عن نفسه اذ يتحدث عن الآخر . في شهادته على أحمد الفلاحي لفتنا الى حرصه على إيقاد الشموع بدلاً من ذرف الدموع ولعن الظلام ، ويؤكد أن هذا المثقف الذي تتقدم تجربة الحياة لديه على تجربة الكتابة كان ومازال: " أباً يمد بكل ما يملك لكل مبدع يحاول التقدم خطوة مع اختلاف القادمين عن توجهه ، بل ومع تناقض بعضهم مع آرائه ، إلا أنه في الصمت كان يدرك أن كل شمعة تضيء تجر وراءها مائة شمعة أخرى ، ودوره التأسيسي التاريخي هذا في إضاءة الشمعة الأولى ثم السير قدما بالمرحلة إلى مرحلة أخرى وبقطرات المياه من المنحدرات الصخرية باحثاً لها عن ينابيعها الأولى"، وربما التفت سماء لهذا الأمر أكثر من غيره في شهادته على الفلاحي ، لأنه – أي سماء – أحد التطبيقات العملية القليلة عليه في حياتنا الثقافية .
أما في شهادته على عبدالله حبيب فيلتفت سماء عيسى أكثر ما يلتفت الى ثيمة الموت ، تلك الثيمة التي أجمعت شهادات جل أصدقائه وقارئيه أنه هو نفسه – أي سماء – خير تمثيل لها في الأدب العماني الحديث ، بل ان زاهر الغافري يؤكد أنها لا تختلف عن أي تجربة عربية مهمة.. في هذه الشهادة نقرأ حماسته في الحديث عن ثيمة الموت وكأنه يتحدث عن نفسه ، ولكن لا ينسى أن يحيلنا الى اسم عبدالله في الكلام : "لا حديث هنا عن التناص ولكن عن ثيمة الموت المتجذرة في الكتابة العربية الحديثة والمدرجة بقوة في تجارب تتجه إلى إضاءة مكنون بعيد وغائر في الذات العربية الجريحة حتماً عنه في إضفاء ما يحتفي به الإنسان على هذه الأرض، وكأنه لم يبقَ ما يُحتفى به إلا الموت، والكائنات هنا لدى عبدالله وأقرانه أيضاً ممن ذكرت ولم أذكر لضيق الوقت، تتخذ لموتها أسباباً تدفعها للموت وهي ترفع يديها احتجاجاً على عصر أذل كل القيم التي آمن بها عبدالله وآمنت بها شخوصه ورفعته وكتب لها ومن أجلها نصوص الحتف والفراق" ..
وفي شهادته عن زاهر الغافري يتحدث عن الحنين الى المكان الأول الذي لا ينقطع غياب الشاعر عنه وحنينه إليه ، مستشهدا بتجارب شعرية عُمانية رُسّخت بأكملها كحنين دائم إلى الجذور الأولى، أهمها تجارب أبي مسلم البهلاني ، وسليمان بن سعيد الكندي ، وعبدالله بن محمد الطائي، ومحمد بن جمعة الغيلاني وغيرهم ، " الشعر هنا تجربة غياب على الأرجح استمد الشاعر جذورها الأولى من الأرض ، من تجربته الخاصة في الحياة" ، ويشدد سماء على أن "الغياب إذاً احتفاء بالحياة ، ولكن للغياب جذوره أيضا ، جذور حزن غامض غريب يقفل أمام الشاعر أبواب ونوافذ الفرح ، لذلك ترتد التجربة إلى جذرها البعيد وكأنها هنا سلسلة أحزان تتراكم في صمت تارة وهدير تارة أخرى ، حتى تسير بك إلى الموت أو إلى ما هو أشبه بموت أبدي" ..
هذا الحضور القوي للغياب هو ما يلفته من جديد – في شهادة أخرى – لتجربة القاص سالم آل تويه : "الكتابة لديه ذكريات بعيدة تارة ، وقريبة تارة أخرى ، وهي لذلك تمتاز بالحميمية ، وسطوة مكان غابر وبعيد . شخصيات وشخوص تجاربه رحلوا ، سواء كان ذلك الرحيل في الموت أو في عوالم الفراق الأخرى" مؤكداً أن الغياب يتجلى في أكثر من نص لسالم آل تويّه ، الغياب الذي يحمل معه الألم والفقدان وفراق الأحبة وما تحمله الحياة دوماً من فجائع لا ننتظرها .
أما في شهادته على سعيد الهاشمي فيلتفت الى ثيمة الحرية "حرية الكلمة ، وحرية المرأة ، ثيمات أثيرة لديه" مرجعاً ذلك الى " الوعي الفردي المتقدم كتجربة أصيلة تنبع من الإيمان المطلق بالحرية والتنمية . بالإنسان ككائن وجد على الأرض ليكون ابناً لمستقبل قادم ، حيث لا قيود ولا أغلال ولا طوائف ولا ملل . انه الانتماء الى البشرية في جلالها وروحها" ، وترد في الشهادة عبارة تنطبق بامتياز على سماء – مثلما تنطبق على الهاشمي - : "لا بد إذن ممن يعطي حتى آخر قطرة من دمه" .
* العنوان مقطع من قصيدة "غيوم" للشاعر سماء عيسى

الخميس، 10 يونيو، 2010

اذا حُرِمْتُمْ من الموسيقى فدعوا الكتابة




كانسان – قبل أن أكون كاتباً - تعني لي الموسيقى الرحابة وسعة الأفق والطلاقة ، الطيران في السماء والنظر بمحبة إلى الأرض ، النفاذ إلى عمق الكهوف المعتمة في النفس ، الحنين إلى شيء لا أعرفه وأعرف أنني لن أعرفه ، هي المطر إذ يحرضني على الشغب ، والذاكرة إذْ تعيدني إلى براءة الطفولة .. الموسيقى ابتسامة ، والابتسامة موسيقى، لأن كليهما لا يحتاج لمترجم .. وأظن شكسبير لم يكن مبالغاً حين كتب في "تاجر البندقية" أن "الآدمي الذي لا تنطوي جوانحه على الموسيقى، ولا يتأثر بتناغم الأصوات البديعة لا يصلح إلا للخيانة وتدبير المكائد والسرقة: بوادر نفسه معتمة كالليل، ومشاعره مظلمة ظلام أفظع الأشباح. لا يكوننّ مثل هذا جديرا بالثقة!»
أستمع عادة للموسيقى الكلاسيكية بأنواعها ، والموسيقى العربية القديمة ، والعود ، والقانون ، والجيتار ، والكمان .. استمع اليها في السيارة ، وفي البيت وفي مبنى الإذاعة ، حيث أعمل .. ومن دواعي سعادتي أن جزءاً من وظيفتي له تعالق مع الموسيقى من حيث البحث عن مقطوعات موسيقية ملائمة لنصوص شعرية أو قصصية أقرأها في الإذاعة ، أو لبرامج أخرى .. وبقدر ما هي مهمة مضنية بقدر ما هي مهمة ممتعة في الوقت ذاته . وأشكر التكنولوجيا التي أتاحت لنا أيضا إمكانية الاستماع للموسيقى أثناء المشي على الشاطئ .
و
للأسف الشديد فان القليل فقط من الموسيقى الجيدة ( أو لأقْلْ التي أفضلها ) متوفر في عُمان ، والباقي أحاول البحث عنه بطرق مختلفة : أما عن طريق تنزيله من النت ، أو شرائه من محلات موسيقى في دبي .. والبعض يهدينيه الأصدقاء العمانيون والعرب .. وبعض الموسيقى أطلبها من الأصدقاء داخل وخارج السلطنة .. وبعض الموسيقى أحصل عليها من الموسيقيين أنفسهم ، مثل هبة القواس ونصير شمة الذي أهداني في زيارته الأخيرة عمله الأخير "حرير" .
ثمة تعالق كبير بين الكتابة والموسيقى كفنّيْن ابداعيَيْن .. الفرق فقط أن الكتابة تتكئ على اللغة في حين تستطيع الموسيقى ما لا تستطيعه اللغة .. قرأتُ مرة للناقد صلاح فضل يخاطب الشعراء : "إذا حرمتم من الموسيقى فابحثوا عن كتابة أخرى غير الشعر". أما أنا فأعمم وأقول لجميع متعاطي الكتابة وليس فقط للشعراء : "إذا حرمتم من الموسيقى فدعوا الكتابة كلها ".. لا أعرف إن كان فضل يقصد بعبارته تلك الموسيقى العروضية ، ولكني شخصياً أرى أن الأمر أعمق من أوزان العروض .. فلكل فن إنساني موسيقاه التي لا يستقيم بدونها ، ذلك الإيقاع وتلك السلاسة اللذان بدونهما يشعر الكاتب أن كتابته تنقصها موسيقى .