الأربعاء، 7 يوليو، 2010

يوميات بيروت


لا يرى بيروت الا من كان بصر عينيه في قلبه



الخميس 24 يونيو 2010 :



مساءً نخرج للتنزه على الكورنيش فتكافئنا بيروت بالمطر .. انها تمطر في عز الصيف .. مطر ليليٌّ حانٍ يحيل المشي من مجرد رياضة الى عناق للمطلق .. بيروت أحبتْنا ، ما في ذلك شك .. فسأعرف لاحقا من موظف استقبال الفندق أنها نادرا ما تمطر في الصيف .. ولا أظن خالد الزيدي مخطئاً أو طاعناً في الرومانسية عندما اعتبر أن "هذه دموع بيروت لاقتراب رحيلنا" .. البشر الذين كانوا يملأون الكورنيش وأرصفته اختفوا فجأة مع المطر .. علق سالم الرحبي : " أهل بيروت أدرى بأزقتها ومخابئها السرية ". لا يرى بيروت إلا من كان بصر عينيه في قلبه، لا بصر قلبه في عينيه ، فمهما ادعيتَ أنك أحببتَ هذه المدينة وأحبتك فلن تستطيع المجازفة بالزعم أنك عرفتَها .. انها فتاة لعوب لا تبدي لك من مفاتنها الا ما يشجعك على التوغل فيها أكثر ، وفي اللحظة المناسبة تعرف كيف تتملص منك بلباقة ، تماما كما فعلتْ بخالد الذي من فرط غوايته بها طلب يدها للزواج فرفضته على الفور، ولكي لا تؤذي مشاعره هدهدتْه الى أن نام، وحين استيقظ كان يظن أن ما جرى ليس أكثر من حلم !! ..
من على شرفة الغرفة 504 في الطابق الخامس لفندق Sultan Palace يمكن مشاهدة أهل بيروت يسعون في مناكبها كالنمل يحرسهم صوت المؤذن وأبواق السيارت وأنين محركات الدراجات .. والمتسولة التي اعتادت الجلوس أمام مدخل الفندق مادةً يديها للمارة احترمت رغبة المطر فابتعدتْ ..
بيروت في المطر مدينة مختلفة تماما .

صباح الأربعاء 23 يونيو 2010 :



لا أحد يستطيع أن يحدس ما الذي تفكر فيه امرأة حامل تنظر الى نفسها في المرآة عارية ! ॥ لعلها تستحضر شعور طفلها حين سينقذف الى هذه الفانية بعد شهرين أو يومين ، أو ثلاث دقائق ، لا فرق .. لا يمكن أن يكون نبيل مروة قد وضع هذه اللوحة بالذات اعتباطا .. هكذا في واجهة مكتبه ، أعلى الكرسي الذي يجلس عليه مباشرة، بحيث تكون في مواجهة الجالس أمامه । هناك أكثر من تأويل لهذا الأمر .. كناشر عربي مهمّ لا بد أنه يدرك أن مكتبه هذا قِبلة لكثير من الكتّاب والأدباء العرب .. المسألة اذن أنه يُجلس الكاتبَ أمامه ويقول له بطريقة بليغة وهادئة وغير مباشرة : أنت أيضا حامل بكتابك هذا الذي تُريد نشره ، وأنا القابلة .. ولكن ، ما لم يكن كتابك يعبر عنك بصدق وشفافية ويجعلك تتأمل ذاتك وعُريك بعمق كما تتأمل هذه المرأة الحامل نفسها في اللوحة فعليك أن تبحث عن دار نشر أخرى .. هذا ان كان الجالس كاتباً أو فناناً ، ولكن ماذا لو كان مُجالِسُ نبيل مروة مجرد قارئ عادي وممن يستهجنون العُري في الفن .. لعل الرسالة المبطنة هنا اذن هي : "كلمني بتواضع من فضلك ، وانظر الى عيني مباشرة ، أما ان رفعتَ عينك عني فلن ترى الا العُري" .. سألتُه : لمن هذه اللوحة ؟ ، أمال رأسه للخلف وتأملها ثم قال : "هي لفنانة لبنانية اسمها ريم الجندي ، والمرأة التي في اللوحة بالمناسبة هي نفسها ريم التي رسمتْ نفسها وهي حامل" .. هذا لزوم ما لا يلزم يا أبا علي .. لماذا تشوش على خيالي وتمنعني من أسطرة امرأة اللوحة باحالتها الى واقع !! .. "وهذه لوحة أخرى لنفس الفنانة على الحائط خلفك" يضيف .. ألتفت للخلف فأرى أمرأة أخرى بثدي عار ولكن لا يبدو أنها حامل .. أفكر أنهما لوحتان تصلحان بامتياز لأحد أعداد مجلة "جسد" التي قلتُ لمروّة انها أكثر (كتاب) أُوصيتُ به من عُمان !! ..
فيما بعد ، وتحديداً في مساء اليوم ذاته - حيث سأكون مدعواً لعشاء في بيت صاحب "الانتشار العربي" بصحبة الزميلتين هدى وجميلة الجهوريتين – سأتأكد الى أي مدى هو عاشق للفن التشكيلي هذا الـ"نبيل مروة" .. فها هي صالة بيته تزدحم بلوحات متنوعة لفنانين لبنانيين وعراقيين ويمنيين، بل وعُمانيين.. فهذه لوحة مهداة اليه خصيصا من الفنانة نادرة محمود ممهورة بتوقيعها المؤرخ سنة 1993 ، هذه الفنانة التي لم يمض شهران على وقوفي شاهداً ( مع الصديق عبدالرزاق الربيعي ) على اعجاب الفنان نصير شمة الشديد بلوحاتها التي رآها أثناء زيارته الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ، الى درجة أنه قرر أن يبحث عن هاتفها ليدعوها بنفسه الى حفلة العود بالجامعة .

مساء الأربعاء : 23 يونيو 2010



دوي طلقة كبيرة أقرب الى الانفجار ، مصحوبة بزعيق أبواق مزعج .. يهب نديم على الفور خارجاً من الصالة ، ليعود بعد دقيقة معلنا : "ألمانيا سجلت هدفا" .. نواصل حوارنا الذي قطعتْه فرحة الهدف .. نعود الى الحديث عن ربيع جابر وعبده خال وعادات التنميط التي تقع ضحيتها بعض المجتمعات العربية .. كنا قد وصلنا - أنا والجهوريتان - الى بيت نبيل مروة في سيارة ابنه نديم ، لنجد في انتظارنا أيضا ضيوفاً آخرين منهم حسن ياغي مدير المركز الثقافي العربي الذي نشر لجمعية الكتاّب مؤخرا كتاب "الكلمة بين فضاءات الحرية وحدود المساءلة " .. أسأله عن سر غيابه عن معرض مسقط الأخير فيعتذر مؤكدا أن حالة وفاة هي ما منعه من الحضور .. انفجار آخر مدوٍّ يُخرِجُ نديماً مرة أخرى .. يعود ولكن أصوات الانفجارات المصحوبة بالأبواق المزعجة لم تتوقف .. يعلن نديم : "ألمانيا فازت على غانا " .
من يرى بيروت هذه الأيام يظن أنها هي من يستضيف المونديال لا جنوب أفريقيا .. أعلام الدول المرشحة للفوز في كل مكان .. البرازيل في المقام الأول ( نظرا لأن كثيرا من اللبنانيين يقيمون هناك ، كما يحلل الكاتب والاعلامي وليد شميط ) ، ثم ألمانيا .. وبدرجة أقل الأرجنتين وايطاليا وفرنسا .. الشاشات الضخمة تملأ المقاهي والمطاعم والنوادي الليلية .. والأعلام تزين السيارات وواجهات المحلات .. هيكل حداد ( رئيس تحرير العلاقات العربية بدار الصياد في لبنان ) يخبرنا ونحن متجهون الى رأس النبع – فيما يشبه الاعتذار - أن ابنه هو من وضع علم البرازيل في مقدمة سيارته .. احتفالات فوز ألمانيا يتعالى صخبها فتفتح أم علي النافذة لتنظر .. لبناني منزعج يخرج من شرفته في الطابق السادس ليسكب الماء فوق المحتفلين الشباب وهو يصرخ بعبارات شتم .. انفجار قوي آخر يرغم أم علي على غلق النافذة بسرعة وكأنها بذلك ستمنع الصوت من الدخول .. تسألها هدى : "هل تحتفلون هكذا عندما يفوز منتخب لبنان " ، ترد أم علي على الفور : "مش لما نفوز .. لما نموت ما حدا دريان فينا " ! .

مساء السبت: 26 يونيو 2010



هل أطلب منه ذلك الآن ؟! .. ولكن ماذا لو ربط طلبي بالمعلومات التي ذكرها قبل قليل ، ألن يتشاءم مني ؟! .. سأظل ممزقا بين هذين الخيارين فيما يواصل هو تعريفي بالمنطقة .. كنا قبل قليل قد قرأنا الفاتحة على ضريح رفيق الحريري ، وشاهدنا أكاليل الزهور الموضوعة على قبره ، ثم ها نحن نتجول في المنطقة المحيطة .. يتحدث وليد شميط عن التنوع المعماري المهم الذي تزخر به بنايات ساحة النجمة ، والذي يعكس عدة حضارات انسانية .. هنا مبنى مجلس النواب اللبناني ، وبالقرب منه مبنى صحيفة الحياة ، وأسفل منه مقر مؤسسة الفكر العربي .. ليس لهذه الأسباب فقط تبقى ساحة النجمة مزاراً سياحيا مهمّا ..بل أيضا لوجود مقهى "L,ETOILE" أو النجمة .. هل أطلب منه أن نجلس فيه قليلا ؟! .. كلا .. سيتشاءم .. فقد أخبرني للتو أن هذا هو آخر مكان جلس فيه رفيق الحريري قبل اغتياله .. كان ذلك قبل خمس سنوات ، حين خرج رئيس الوزراء اللبناني الأسبق مبكراً من جلسة مجلس النواب فقرر أن يستريح قليلا في مقهى "L,ETOILE المجاور .. سيشرب الحريري قهوته أو شايه ( لا أدري بالضبط ماذا شرب في ذلك اليوم ) ثم سيغادر موكبه المكان ، ليكون بعد دقائق معدودة الخبر الأول في كل وكالات أنباء وفضائيات العالم ، ولتتناقل هذه الفضائيات صورة الشاب اللبناني الذي كان يحترق أمام العالم .
أذكر ذلك اليوم جيدا ، فقد كتبتُ من وحيه مقالاً لصحيفة عُمان عنوانه "حبك نار" ربطتُ فيه بين النار التي خلفها ذلك الانفجار الضخم وبين تاريخ 14 فبراير الذي وقعتْ فيه الحادثة ، والذي هو للمفارقة يوم عيد الحب ! ..
- مش عم بترد
يقول وليد شميط بنبرة لا تخلو من القلق على زوجته الروائية رفيف فتوح التي خلفناها وراءنا في مكان قريب من ساحة النجمة وبصحبتها هدى وجميلة .. ولكنهن ما يلبثن أن يظهرن فجأة فيقترح شميط أن نقعد قليلا في مقهى لنرتاح ونشرب شيئا .. قلتُ على الفور : "يا ريت " وأنا أمني النفس أن يختار مقهى L,ETOILE الذي يبعد عنا خطوات قليلة .
ولكنه اختار مقهى آخر ।



الأثنين 21 يونيو 2010:



الساعة الثانية ليلا .. أقلب القنوات بسرعة بحثاً عن قناة عُمان.. لا أنتظر برنامجا بعينه ، بل فقط هي عادة أَلِفتُها في سفري أن أبحث عن وطني في التليفزيون .. كالعادة ليست الفضائية العُمانية من القنوات الفضائية المفضلة لدى الفنادق العربية .. مديرها العام سيصل لبيروت بعد عدة أيام بصحبة مدير البرامج ، ولكن بالتأكيد ليس ليتأكدا أن قناة عُمان تبث في الفنادق البيروتية .. أتوقف عند قناة الجديد اللبنانية وصورة مألوفة لدي .. يا الهي ! .. هذه فيروز .. أخييييراً رأيتُ فيروز تتحدث لا تغني .. مرة قرأتُ أننا نحب فيروز كثيرا لأنا لا نسمعها تتحدث .. السنوات الأربع والسبعون بادية على محياها ارهاقا وحزناً على شيء ما .. لعله الحنين للرجل الذي تتحدث عنه، والذي سأعرف لاحقا من الصديق النمام جوجل الانترنتي أن اليوم هو ذكرى رحيله الرابعة والعشرون ( مات في 21 يونيو 1986 ، وهو ما يجعلني أجزم أن فيروز لا يمكن البتة أن تكون استمتعت بمونديال مارادونا في المكسيك ) .. كان عاصي الرحباني شريك حياة بمعنى الكلمة : فهو لم يكن زوجاً لفيروز وأباً لأبنائها الأربعة فحسب، بل قبل ذلك وأثناءه وبعده مكتشفاً وراعيا وحارساً أمينا لموهبتها الفذة .. كانت تتحدث عنه بحب شديد " حبيت صور عاصي ومطارحو ، ودخلت عليها وما عاد فيي اطلع منها ( ... ) ترك لنا جمال كتير وفل بكير " ، وان أمكن من بين كلمات الحب تلك استنتاج الى أي مدى كان عاصي صارماً وديكتاتورا في تعامله مع فيروز ومع فرقته الموسيقية "في الوقت، هوّي اللي بيقول كل الإشيا وبيحدِّد، الحقيقة مع الوقت" .. أجمل ما في الفيلم بساطته ، فقد كان يتنقل برشاقة بين كلام فيروز البسيط الذي يبدو أنه ارتجالي عن عاصي ، وكلامه هو عن نفسه من خلال لقطات ممنتجة من مقابلات تليفزيونية قديمة بالأبيض والأسود ، مدعماً ذلك بمقاطع من أغاني فيروز الرحبانية وأفلامها ومسرحياتها .. كانت الكاميرا تركز على وجه فيروز في لقطة مقربة ، لدرجة أنها حتى حين يغلبها الحزن ويتهدج صوتها فتصمت لثوان قليلة تظل اللقطة ثابتة على وجهها الى أن تستعيد رباطة جأشها وتعود للكلام من جديد .. قالت فيروز انها كانت بجوار عاصي وهو يعزف الموسيقى ، فسمعت صوت تنفسه فخامرها الخوف عليه من أن يكون هو خائفاً عليها !.. من حديث فيروز أستطيع أن أحدس أن عدم ظهورها في حوارات اذاعية أو تليفزيونية كان خطة عاصيّة ( نسبة الى عاصي ) لحراسة موهبتها ، فهي تحكي الآن أنه كان يمنعها حتى من تحية الجمهور بحجة أن عملها/ غناءها هو فقط الذي يفترض أن يكون معبرا عنها ، ومرة واحدة فقط سمح لها بعد احدى المسرحيات – وبعد الحاح منها – أن تعود الى المسرح لتحيي جمهورها !.
السؤال الذي يتبادر الى ذهني الآن : أين زياد من كل هذا ؟ .. صحيح أن الذكرى هي ذكرى عاصي ، ولكن أليس زياد بذرةً منه ؟! .. ألم يلحن زياد "سألوني الناس" عندما كان أبوه راقداً في المستشفى ؟! ، ألم يكن عاصي من المعجبين بـ"ع هدير البوسطة" لدرجة أنه هو من قرر أن تغنيها فيروز ؟!! .. على الأقل كنتُ أتمنى أن أعرف لماذا أصبح زياد مختلفاً ؟! هل لنظرية قتل الأب دور في هذا ؟! ، وكيف رضيت فيروز بالانسياق وراء زياد ؟! ، هل هي العاطفة الأمومية التي تسعى لانجاح ولدها بأية طريقة حتى وان لم تكن مقتنعةً بها ؟ ، أم هي ديكتاتورية الزوج التي جعلتها تسعى للتنفس عن طريق الابن ؟ أتُراها رأت فيه صورة والده التي أحبتها ؟!، أم أنها فعلا مقتعة بتجديد زياد في الموسيقى ؟! .. ستزداد حيرتي أكثر حين أعرف في نهاية الفيلم أن مخرجته ومنتجته هي ريما الرحباني ابنة فيروز وعاصي وشقيقة زياد !! .. " اذا كان الفيلم عائلياً محضاً فأين زياد يا ريما ؟ " سألتُ جوجل فيما بعد ، فأجاب بتصريح منها أن ذلك مرده إلى عفوية الفيلم وعدم التخطيط له "فكل شيء جرى دون تخطيط وفجأة ، وكان التصوير في عشرة أيام فقط" ! .. قالت "عفوية" قالت .. حسنٌ يا ريما .. كل شيء جائز ، ولكني أعرف أن يوم القيامة فقط هو الذي ينشغل فيه الولد عن أبيه ، وأمه وبنيه ، وفصيلته التي تؤويه!. ثم ألا تقولين في التصريح ذاته ان "محاولات تجاهل عاصي وتزوير تاريخه دفعني لإنتاج الفيلم" ، ألا يعني هذا أن ثمة تخطيطا وراء الفيلم ، وقراراً نابعاً عن تفكير !! ..
الآن أنا أستمع لأغنية "لبيروت مني سلام " في السي دي الذي تلقيتُه هدية من الأستاذ حسان الزين قبل يوم من رحلينا عن بيروت ، ولا يزال حلمي القديم الجديد يتراقص داخلي بيأس : "متى سأرى فيروز تغني في مسقط ؟! "

صباح السبت 26 يونيو 2010 :



حدث هذا في مكتبة "واي ان" .. شعور لذيذ عصي على الوصف أن تدخل مكتبة للبحث عن كتاب لأحد كتابك المفضّلين ، وحين تمسح بعينك المكان بحثا عن هذا الكتاب اذا بها ترتطم بكتاب آخر : كتابك أنت ! .. كنتُ أبحث في الأرفف عن كتاب حوارات محمود درويش مع الشاعر والصحفي عبده وازن ، حين سمعتُ صوتاً ليس غريبا عني : "هاي .. ألا تتذكرني يا صاح .. أنا ابنك ؟! " قالها الكتاب بنشوة .. أحمل "القمر" في يدي وأحضنه .. يسألني : "أين أبي الثاني ؟ " ، أجيبه بحنان : " في كندا .. قد يأتي ذات يوم ويراك صدفة أيضا" .. أمسح الغبار عن وجهه وأعيده الى رفّه ، وأذهب لأسأل أمين المكتبة "أين أجد كتاب "يقع الغريب على نفسه" ؟ .. بعد أن نقر على الحاسوب اعتذر الأمين عن عدم توفر نسخ من هذا الكتاب ، ولكني حين خرجتُ كان يخالجني شعور أنني أنا ذلك الغريب الذي وقع على نفسه ! .
بيروت هي مدينة الكتب بامتياز .. تفصل بين المكتبة والمكتبة مكتبة ثالثة .. وعلى المرء أن يكبحأنأن يكون مدرباً نفسه جيدا على كبح جماحه أمام الكتب والا لكانت كل مشترياته من بيروت كتبا .. ومن كان مثلي معبأ بعقدة الكتاب العُماني وانتشاره فقد كان طبيعيا جدا أن يصرف تركيزاً أكثر لاكتشاف كتب عُمانية في هذه المكتبات .. لم تكن الحصيلة سيئة ، فقدر رأيت كتابي في مكتبة انطوان ، و"كورون" علي الصوافي ودراسة رفيعة الطالعي عن الرواية في الخليج في مكتبة بيسان ، و"سيدات قمر" جوخة الحارثي في مكتبة "فيرجن" . وفي هذه المكتبة الأخيرة ثمة طريقة مبتكرة لترويج الكتاب وتسويقه .. تصطف الكتب على جانبي الدرج المؤدي للطابق الثاني الذي تباع فيه الكتب .. يصعد الزائر وهو يتأمل في الدرج عناوين الكتب التي ستكون بانتظاره .. عرفتُ من وليد شميط - مرافقي في رحلتي لهذه المكتبة - أن "فيرجن" هي مكتبة عالمية لها أفرع كثيرة في العالم ، ولكن لا يوجد في الوطن العربي الا فرع بيروت ، وقد أسسها مثققف بريطاني يُدعى ريتشارد برنسون بهدف تشجيع الشباب على القراءة من خلال بيع الكتاب جنبا الى جنب مع الموسيقى والأجهزة الالكترونية .
ثمة كتب جديدة كنتُ أرتطم بها في معظم المكتبات التي زرتُها ، وهي تكشف الى أي مدى ذوق قراء بيروت متنوع ومتعدد الاتجاهات .. من هذه الكتب : "رياض الصلح" لباتريك سيل ، "أبناء ودماء" رواية لمياء بن ماجد بن سعود ، "اقتل خالد .. عملية الموساد الفاشلة لاغتيال خالد مشعل وصعود حماس" لبول ماغوو ، "الأمير بندر بن سلطان" لوليم سيمبسون .. "العز في القناعة ..رأس الخيمة ومحيطها قبل النفط" لوليام وفيدلتي لانكستر ، "بيروت في قصائد الشعراء .. دراسة ومختارات" لشوقي بزيع ، "صلاة ، طعام ، حب .. امرأة تبحث عن كل شيء" لاليزابيث جيلبرت ، "اللوح الأزرق" لجيلبرت سينويه ، والمجموعة الكاملة لجبران خليل جبران بالعربية .

الأحد : 27 يونيو 2010



طلبٌ غريبٌ من شرطي مطار رفيق الحريري لثلاثة شبان عُمانيين على وشك مغادرة بيروت وهم يلهجون بحبها .. طلبٌ بالاشارة فقط ، فهو لا يعرف أن اسمها "كمة" .. كنا قد خرجنا من فندق Sultan Palace قبل ذلك بحوالي نصف ساعة مرتدين دشاديش بدون اتفاق مسبق .. ولأنه زينا الرسمي فان لكل دشداشة كمّة مساوية لها في الاعتبار ومتعالية عليها في الاتجاه .. وحده خالد الزيدي ارتدى القميص والبنطال برأس حافٍ ، وعينين مسددتين للفراغ ، معفياً نفسه من مواقف غير محسوبة .. "ارفعوا الكمة اذن لنرى ماذا تخبئ رؤوسكم " قالها الشرطي بيده .. لحظتها أمكن سماع ضحكة صلعة سالم فَرِحة بفرصة غير متوقعة للتنفس في الهواء الطلق .. رفع سالم كمته الخضراء فطارت فكرة من رأسه وحطت على يد الشرطي ، تأملها هذا الأخير بتركيز شديد سبق أن تدرب عليه : رأى حنيناً لطفلين صغيرين وأمهما، وانتظاراً لشهادة جامعية من بلاد بعيدة ، وشيوخاً هرمين ينظرون اليه بتوجس وهو يمد اليهم ميكروفونا صغيرا ويسأل : "أين كنتَ قبل أربعين عاما ؟ ".. عادت الكمة الى صلعة سالم من غير سوء فوجه الشرطي اشارته الى كمة خميس الزرقاء الفاتحة .. طارت أفكار خميس بعيداً عن الشرطي الذي ظل يلاحقها بعينيه : رأى صفحة طويلة يزدحم فيها شعراء ومتشعرون ، وسيمون وبدناء .. وطفلا صغيرا يزحف الى المطبخ محاولاً أكل السخام .. وبيتين من قصيدة جديدة :
تدري الزمن ظالم أنا أيش سوا لي ؟! ... حملني جدار همي "م" أكثر طياحه
خذني وانا المنكسر بي ضايق بالي ... هو الشقا لي وباقي الناس مرتاحة
واذا كنتُ أنا من "باقي الناس" الذين أشار اليهم خميس الا أنني لم أكُ مرتاحاً البتة بخلع كمتي الصفراء .. فما ان ارتفعتْ بضعة سنتمترات عن رأسي حتى طارت أفكار كثيرة كان يمكن أن تكون صالحة لهذه اليوميات ، ولم يتبق لي سوى الكتابة عن ثيمة خلع الكمة ! .
ولكن مهلا ، لماذا هذا التهكم ؟! .. هل تجاوز الرجل حدود وظيفته ؟! .. لماذا لا ننظر للأمر من زاويته المشرقة : هناك منفذ للتهريب خاص فقط بنا نحن العُمانيين .. علينا أن نفخر بذلك .. علينا أن نفخر بأن الكمة عمانية حتى وان كانت ذات أصل أفريقي ، فالعبرة بالخواتيم لا بالبدايات .. فمن قال ان الديمقراطية التي تصم بها أمريكا آذاننا ليل نهار هي أمريكية الأصل ؟! .. ثم هل كان ذلك موقفاً موجهاً ضد الكمة ؟! .. ألا يطلبون في بعض المطارات من أصحاب البناطيل ( ومنهم لبنانيون بالتأكيد ) أن يخلعوا أحزمة بناطيلهم أمام العالم ؟! .. ناهيك عن أن هناك زاوية ثالثة للنظر لهذا الأمر : بيروت تسألنا – عن طريق أحد أبنائها المخلصين الساهرين على أمنها وسلامتها - : "كيف كانت رحلتكم ؟! وكيف وجدتم كَرَمي ؟ هل ترفعون له القبعة ؟!" .. نعم .. نرفع لك القبعة يا بيروت .. نرفع لك الكمة .