السبت، 16 أبريل 2011

الرائي بالروح


سأسميه الظَهْر الذي تتكسر عليه سهام الخذلان .. سأسميه الرائي بالروح ، الهازئ بالريح ، حارث الحقل وحارسه ، حاضن البيوض في أعشاشها ، الموزع اسمه على العصافير بالتساوي غير مهتم بحصته منه .. أعرف أنه ليس بحاجة إلى أهازيج الثناء ولا لنثر أزهار تحت أقدامه .. لستُ هنا لأنفحه مديحي الذي أعلم ويعلم أنه ليس بحاجة إليه ولا يطلبه . بعد أن رأيتُ وقرأتُ فائض الحب المرشوق به وروداً وكلمات فماذا بوسعي أن أكتب الآن ؟!.. هل أتشبث بذريعة نزار : الصمت في حرم الجَمال جمال ؟! ، أم أمتثل لتحريض معن بن زائدة : "إذا لم تكتب اليدُ فهي رِجْل" !.
كان سعيدٌ بعيداً بما يكفي لأقول انه نيزك .. ثم اقترب كسراج ، حتى كدتُ أحترق كفراشة .. في مقدمة الصف أراه : ينساب كماء في نهرٍ لا يمكن أن نستحم فيه مرتين ( النهر أعني لا سعيد الذي بمقدورك الاستحمام فيه ما شئت من المرات ! ) .. شعاع بسيط يقود شمساً عمياء! . نحلة نشطة تحوّم حول منابع العسل .. يستعير من النفّري حكمته الأثيرة : "احلم ، فالهالك من لا يحلم" .. يرتب البيت من الداخل ، ولا ينسى أن يزرع الورود في المدخل .. ولا بأس إن كان ثمة تينة أو زيتونة صغيرة ، تشبع عابر سبيل . يَنْشُقُ بملء رئته هواءً نقياً يسميه الحرية ، ويقول "ذق حتى تعرف" . يعرف أنه واحدٌ قليل ولكنه يعرف أيضا أنه ليس صعباً أن يتكاثر . وعندما يحلق بعيداً في السماء فليس ليتفرج على النجمة الذاهلة، بل ليغريها بالنزول إلى الأرض .. الأمل واحدٌ من أصدقائه الجميلين، والحياة هي "ذهبُ الحنطة الحلوة" كما قالت شاعرة ذات روح رائية .
هل خَدَع سعيدٌ العاصفةَ حين تظاهر بالانحناء، فمرت كجندي مغرور ؟! .. هل كان يختبرها وهو الذي لا يمل الترديد أن الأشياء تحتاج إلى اختبار ؟! .. وهل هي مصادفة أن تكون كلمة "السمت" واحدة من لازماته الكتابية والكلامية ؟! .. وهل علينا البحث عن إجابات شافية لأسئلة ممضة ديدنها فتح النوافذ – كما الأبواب - على كل الاحتمالات؟! . ما أنا متأكد منه أن علينا فقط أن نحسن الإصغاء بواسطة الروح – تماما مثل سعيد - لأي فأر جميل تسلل خلسة إلى دماغنا ليحلم .

* شهادة نُشِرتْ في كتاب تكريمي أصدرته الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بمناسبة حصول سعيد بن سلطان الهاشمي على جائزة الانجاز الثقافي البارز لعام 2009 بعنوان "الرائي بالروح
" .

السبت، 9 أبريل 2011

كلنا سعيد وباسمة




أعتذر لقراء المدونة .. اضطررتُ لالغاء الموضوع بسبب خطأ معلوماتي لم أنتبه له الا بعد نشر الموضوع .. غير أنني أبقيت العنوان والصور لأؤكد تضامني مع الأخوين سعيد الهاشمي وباسمة الرجحي ضد من يريد أن يسلبهما حقهما في حرية الرأي والتعبير وحب الوطن ..

الاثنين، 7 مارس 2011

لهذه الأسباب سأعتصم أمام وزارة الاعلام


كثيرة هي ثمار وايجابيات الاعتصامات السلمية النبيلة التي تشهدها السلطنة في صحار ومسقط وصلالة وصور وغيرها من المناطق ॥ ولكني سأقول كمدخل لهذا المقال انه لو لم يكن من ثمارها سوى أنها رفعت من سقف حرية الرأي والتعبير لكفاها .. ثمة منجز يتحقق على هذا الصعيد لم يستفد منه اعلامُنا الرسمي للأسف ، فأضاع الفرصة كعادته .. قلتُ في كلمة قصيرة أمام ما بات يطلق عليه الآن "ساحة الشعب" مساء الثاني من مارس الجاري إن كثيرا من الاعلاميين العمانيين يتوقون لتقديم اعلام حقيقي وحر ، يعبر عن نبض الناس وهمومهم ، ولكن المناخ الذي يعملون فيه لا يساعد على ذلك للأسف ..
ليس هذا مقالا من اعلامي مصرّ على جلد ذاته ، بل هي محاولة لممارسة حق ابداء الرأي في أمر يخصني أكثر من غيري مادمتُ إعلاميا يضطر أحيانا لتلقي سهام النقد على أمر لا شاة له فيه ولا سخل صغير ، وهو حق كفله لي النظام الأساسي للدولة ، مثلما كفل لي أيضا أن أمارس حقي في الاعتصام السلمي أمام وزارة الاعلام احتجاجا على الفرص الكثيرة التي أضاعها الاعلام ، والتي كان من شأنها أن تصالح العماني على اعلامه .. لنقل اذن ان هذا المقال هو محاولة لتذكير القائمين على الاعلام العماني بعدد من الفرص الضائعة التي كان من الممكن أن تصالح العماني على اعلامه ، وتجعل هذا الاعلام شريكا في التنمية ، مثلما يُراد له دائما من قبل المسؤولين، والتنمية الأهم هي تنمية الانسان كما أكد الزميل والصديق زاهر المحروقي في كلمته في "ساحة الشعب" مساء السادس من مارس الجاري.
أولى هذه الفرص ذكرها زاهر نفسه في كلمته وهي برنامج "البث المباشر" في نسخته القديمة التي بدأت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ، والتي قدمت جرأة نقدية غير مسبوقة للأداء الحكومي وجعلت المواطن يلتف حول اعلامه ويعتبره المعبر الأول عن آلامه وآماله ، ولكن بعد سنوات قليلة ثمة من لم يُطق هذه الحرية الاعلامية فانبرى باسم الوطنية والحفاظ على مكتسبات النهضة الى وأد البرنامج ليعود بعد سنوات طويلة "بثا مباشرا" آخر لا يحمل من سابقه سوى الاسم ، بثا مليئا بالخطوط الحمر والألغام الشائكة التي على مقدم البرنامج أن يبدد جهده في محاولة القفز منها ، بدلا من التركيز على موضوع البرنامج ..
ومرت السنوات ولاحت الفرصة الأخرى المتمثلة في برنامج "هذا الصباح" الذي فاجأ الناس منذ يومه الأول وبات حديث مجالسهم ، وظن المواطن أنه وجد أخيرا متنفسه في التعبير عن نفسه ومشاكله ، ولكن ما هي الا أيام قلائل حتى ضاق الهواء بأكسجين الحرية ، وترك مجلس الوزراء جميع مشاغله وفرغ نفسه لـ"تقنين" هذه الحرية ، وتوجيه القائمين على البرنامج بما ينبغي عليهم أن يذيعوه وما لا ينبغي ، حتى أُفرغ البرنامج من مضمونه وبات مجرد شكوى عن مطب شارع لم يبن هنا ، أو مكب نفايات لم يردم هناك ! .. وقد يقول قائل ان بعض مقدمي البرنامج هم من تسبب في ذلك بسبب انحيازهم الأعمى للمواطن على حساب المهنية ، وسأقول أن هذا كلام حق يراد به باطل .. فبالتأكيد كان ثمة أكثر من حل لهذه "المعضلة" أفضل من اطلاق رصاصة الرحمة على البرنامج .
الفرصة الثالثة كانت في الأسبوع الماضي ، فبعد يومين من التخبط الناجم عن مباغتة الاعتصامات له قرر الاعلام العماني اذاعةً وتليفزيونا أن يكون في مستوى الحدث .. فخصص مساحة كبيرة من بثه النهاري لمواكبة هذا الحدث ومحاورة مثقفين ومواطنين حوله وتقديم صورة كاملة تغطي الرأي والرأي الآخر ، وسأتحدث هنا عن الاذاعة بحكم متابعتي ومشاركتي في تغطيتها والتي يبدو أنها نجحت الى حد كبير لدرجة أنني سمعتُ كثيرا من التعليقات المندهشة من الجرأة التي تناولت بها الاذاعة هذه الأحداث .. ولكن ماذا حدث في اليوم التالي ؟ .. قلصت الاذاعة تغطيتها من ست ساعات الى اثنتين ، ومن مكالمات مباشرة على الهواء ، إلى مسجلة وخاضعة للرقابة المسبقة !! .. فضاعت الفرصة مرة أخرى لمصالحة المواطن العماني على اعلامه ..
أكتب هذه السطور الآن وعلى بعد أمتار مني الكاتب حسين العبري الذي يعتصم أمام وزارة الإعلام احتجاجا على اجتزاء التليفزيون لمقابلته الطويلة مع برنامج "هنا عُمان" بصفته ممثلاً للمعتصمين ، بناء على وعد التليفزيون له ، فإذا بالبرنامج يختصر المقابلة التي اقتربت من ساعة كاملة في عشرين دقيقة فقط أخذ منها القائمون على التليفزيون ما أرادوه من رسائل ورموا الباقي للريح ، في خطوة لا تنم عن أي مهنية أو أخلاق إعلامية .. إن مثل هذا التخبط الإعلامي الذي تعاني منه وسائل إعلامنا الرسمية ( وكثير من المؤسسات الإعلامية الخاصة ) يفجر أسئلة ممضة من قبيل : من هو هذا الذي يقف وراء الاعلام العماني الذي كلما رآه تقدم خطوة للأمام أصر على جره خطوتين للخلف ؟! .. ألم يلتف العمانيون حول اذاعتهم وتليفزيونهم في أزمة إعصار جونو عندما وجدوهما معبرين عن همّ الوطن والمواطن ؟ .. كم يلزمنا من الوقت لندرك أن هذا ليس عصر تعتيم ، ولا عصر وصاية ، وأن ما لا يجده العماني في قناته سيجده في الانترنت وعشرات القنوات الأخرى ؟! ..
أسئلة كثيرة كهذه مازلت تترنح في الفضاء الرحب بحثا عن اجابة ! .

السبت، 18 ديسمبر 2010

"أقول لكم" عن شوقي حافظ


لا أذكر أنني التقيتُه وجها لوجه ولا مرة واحدة في حياتي ، ومع ذلك أكن له في داخلي حبا واحتراماً شديدين ، لأسباب بعضها موضوعي ، والآخر شخصي .. أما الموضوعي فهو عموده اليومي "أقول لكم" الذي كان أشبه بـ"علامة" مسجلة لجريدة الوطن .. يحدث أن واحدا مثلي يبدأ قراءة الجريدة من الصفحة الأخيرة ليرى ماذا كتب شوقي حافظ اليوم .. كنتُ دائما أردد أن الالتزام أمام القارئ بعمود أسبوعي هو أمر متعب ، أما الالتزام بعمود يومي فذلك أشبه بالانتحار الكتابي ، ذلك أن الكاتب في سبيل هذه المحرقة اليومية مضطر أحيانا لكتابة مقالات هو نفسه غير راض عنها.. البعض يستسهل ذلك ولكنك تكتشف مدى ورطته حين تراه يحول العمود أحيانا إلى خواطر أو عرض لرسائل من قرائه .. أما صاحب "أقول لكم" فكنتُ أندهش من قدرته في كل مرة على القبض على فكرة بسيطة والكتابة عنها في سطور قليلة يظهر خلالها حسه الساخر من جهة ، وثقافته واطلاعه الواسعان من جهة أخرى .. كانت لديه تلك القدرة العجيبة على الالتقاط بحيث يصنع مقالا جميلا من خبر طريف قرأه في الصفحة الأخيرة في الجريدة مثلا ..
لا أعلم على وجه الدقة متى بدأ شوقي حافظ كتابة زاويته اليومية ، فمنذ وعيتُ على فعل القراءة للصحف وأنا أقرأ "أقول لكم" .. ولكني أذكر عمودا بعينه قرأتُه له في عام 1997 .. كان يتحدث بلغة بسيطة عن قصة لقاص عماني مغمور كانت قد فازت لتوها بجائزة المنتدى الأدبي لذلك العام .. كان يحلل القصة بمهارة ناقد ويدعو قراءه للانتباه لهذا الكاتب الشاب الذي يرى أنه موهوب . أما القصة فكانت "المرايا جمع تكسير" ، وأما القاص فهو كاتب هذه السطور ، والذي أسعده هذا المقال القصير كما لم ولن يسعده - بنفس الدرجة - أي مقال أو دراسة نقدية أخرى عن كتابته في قابل الأيام ، فالكاتب دائما يكون بحاجة للتشجيع والتعريف به وهو يتلمس أولى خطواته على طريق الكتابة ، وليس بعد ذلك .. ما أسعدني أكثر في هذا العمود أنه لم تكن بيني وبين الأستاذ شوقي أي معرفة شخصية قبل هذا المقال سوى معرفة القارئ بالكاتب .. وأذكر أنه بعد أن بدأ بوضع بريده الالكتروني أسفل مقالاته أرسلتُ له رسالة أذكّره بهذا المقال وأشكره عليه ، ولا أدري حتى اليوم إن كان قرأ رسالتي مادام لم يصلني رده .
بعد عشر سنوات من عموده ذاك – وتحديدا في النصف الثاني من 2007 - فاجأني شوقي حافظ بعمود آخر بُعَيدَ فوزي بجائزة يوسف إدريس يصفني فيه بأني كاتب بمليون ريال ، ويذكّر قراءة ما مفاده أنني كنتُ "أقول لكم" قبل عشر سنوات انتبهوا لهذا الكاتب .. في ذلك الصباح أذكر أنني كنتُ في خصب مشاركا كمحكم في مسابقة الملتقى الأدبي للشباب عندما انهالت علي الرسائل الهاتفية تطلب مني قراءة عمود شوقي حافظ .. وما إن قرأتُه حتى بعثتُ له رسالة الكترونية أخرى على ايميله أشكره فيها على ما كتب وأخبره أنني ممتن كثيرا لمقاليه القديم والحديث ، ولستُ متأكدا حتى اليوم إن كان قرأ هذه الرسالة أيضا .. ولكن ما أنا متأكد منه حقا أنه لن يقرأ هذا المقال ، ولن يعرف أنني كنتُ أتمنى أن ألتقي به وجها لوجه ولو لمرة واحدة ، ولكن يبدو أن القدر شاء أن تكون علاقتنا طوال حياتينا علاقة قارئ بكاتب فقط .
رحم الله شوقي حافظ .

الاثنين، 27 سبتمبر 2010

"كتاب أعجبني" جديد اذاعة سلطنة عُمان




































تبث إذاعة سلطنة عُمان بدءا من يوم الجمعة القادم ( 1 أكتوبر 2010 ) البرنامج الإذاعي اليومي الجديد "كتاب أعجبني" ، الذي يستعرض في كل حلقة كتاباً جديرا بالقراءة يرشحه أحد المثقفين أو الأدباء أو المهتمين بالقراءة .. البرنامج كما يقول مقدمه سليمان المعمري يهدف إلى أن يكون وسيطاً بين المستمع والقارئ والكتابِ الذي يتحدث عنه ، حيث سيدور حوار بين هذا القارئ ومقدم البرنامج الذي سيحاول من هذا الحوار الظفر بأهم المعلومات عن الكتاب ومضمونه ومؤلفه ..
من جهته يؤكد مخرج البرنامج حمد الحبسي أن هذا البرنامج ليس أكثر من فاتح شهية للقراءة .. فمن نافلة القول إن ربع ساعة – مدة كل حلقة – غير كافية للإلمام بأي كتاب ، فما بالك بكتاب جدير بالقراءة رشحه أحد القراء النوعيين .
يبث البرنامج بشكل يومي في الساعة 45ر9 صباحا .. ويعاد في الساعة 10ر9 مساءً ، ثم في 15ر1 من صباح اليوم التالي ..
وفيما يلي قائمة بأسماء الكتب التي تم تناولها في الحلقات العشرين الأولى من البرنامج ، مع أسماء قرائها :

م
اسم الكتاب
المؤلف
ضيف الحلقة
1
تاريخ عُمان : رحلة في شبه الجزيرة العربية
الرحالة البريطاني
جيمس ريموند ولستد
الصحفي سالم الرحبي
2
الأغاني
أبو الفرج الأصفهاني
د/ جوخة الحارثي
3
الإسلام بين الشرق والغرب
المفكر والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش
الكاتب سعيد بن سلطان الهاشمي
4
حوارات مع والدي أدونيس
نينار اسبر
القاصة هدى الجهوري
5
الأخوة كارامازوف
دستيوفسكي
الكاتب ناصر صالح
6
الصيف الطويل .. دور المناخ في تغيير الحضارة
براين فاجان
الكاتب عبدالله خميس
7
التقدير الذاتي للطفل
مصطفى أبو سعد
الشاعر جابر الرواحي
8
أثر الفراشة
محمود درويش
القاص يحيى سلام المنذري
9
تحقيق في الذهن البشري
الفيلسوف ديفيد هيوم
الأستاذ خميس العدوي
10
شيكاغو
علاء الأسواني
الكاتبة أميرة الطالعي
11
المياه كلها بلون الغرق
اميل سيوران
الشاعرة فاطمة الشيدي
12
أسرار الصندوق الأسود
غسان شربل
القاص هلال البادي
13
النبي
جبران خليل جبران
القاص مازن حبيب
14
مغامرة منتصف الليل
نهى طبارة
الكاتب حسن اللواتي
15
دع القلق وابدأ الحياة
ديل كارنيجي
الشاعر حسن المطروشي
16
الرمز المفقود
دان براون
المترجم والأكاديمي بدر الجهوري
17
كيف أصبحوا عظماء؟
د. سعد سعود الكريباني
القاص عبدالعزيز الفارسي
18
من أعاد دورنتين ؟
إسماعيل كادريه
الصحفي عاصم الشيدي
19
الأثر المفتوح
امبرتو ايكو
الباحثة عائشة الدرمكي
20
فن الهوى
أوفيد
الشاعر والمترجم أحمد شافعي

اسم البرنامج : كتاب أعجبني
إعداد وتقديم : سليمان المعمري
إخراج : حمد الحبسي
إذاعة سلطنة عمان 1242 am
أو 4ر94 fm
أوقات البث بشكل يومي :
45ر9 صباحا
10ر9 مساء
15ر1 صباح اليوم التالي

الأحد، 29 أغسطس 2010

صالح العامري : النبرة المميزة التي لا يشبهها صوت



( 1 )
كان صالح العامري ولا يزال أحد المؤثرين في المشهد الثقافي العُماني في العشرين سنة الأخيرة، ليس فقط بكتاباته الشعرية والنثرية التي ظل يثري بها الصفحات الثقافية المحلية، ولكن أيضا ببرامجه الاذاعية الثقافية المميزة التي حرص فيها على تقديم كثير من المبدعين والمثقفين العُمانيين بنفس حرصه على تربية الذائقة الأدبية للمستمع وتعريفه بثقافات العالم وكتابات مبدعيه المتنوعة ، وعلى الأخص تلك الكتابات الجديدة ، غير خاضع لسلطة النمط ، ولا لسطوة الأسماء الشهيرة اللامعة ، ومن هنا ظل العامري ينقب في بطون الكتب قديمها وحديثها عما يروي ظمأه هو أولا كمتعطش للمعرفة ، ثم مقدماً لنا اياها على طبق من أثير .. ولأني كنتُ وما زلتُ أحد الشغوفين بما يقدمه صالح العامري عبر أثير الاذاعة فقد آثرتُ أن تكون شهادتي هذه عن دوره التثقيفي المهم الذي قدمه ويقدمه من خلال برامجه الاذاعية ، نائياً بشهادتي عن التورط في الحديث عنه مبدعاً وشاعرا ، تماما كما فعل هو نفسه برشاقة ولباقة في شهادة مماثلة قدمها ذات يوم عن صديقه المبدع عبدالله حبيب متذرعاً بترك الخبز لخبازه .

( 2 )
ان كان من شخص أدين له في دخولي العمل الاعلامي فهو بلا شك الشاعر والاعلامي صالح العامري ، الذي كان في منتصف التسعينات من القرن المنصرم – أي في الفترة التي كنتُ قد تخرجتُ فيها للتو من جامعة السلطان قابوس وبدأتُ رحلة البحث عن عمل – رئيسا لقسم البرامج الثقافية باذاعة سلطنة عُمان .. كنتُ قد تعرفتُ به قبل تخرجي بسنة أو سنتين ، لا أذكر متى بالضبط ولا كيف ، ولكن الأرجح أن ذلك كان بواسطة الصديق المشترك بيننا وزميل الدراسة الكاتب عبدالله خميس الذي عرفني بكثير من المثقفين في تلك الفترة .. كنتُ أسمع بعض برامج صالح العامري في تلك الآونة بنبرته المميزة التي لا يشبهها صوت، وأذكر منها على وجه الخصوص "عالم المسرح" الذي بدأتْ اذاعة سلطنة عُمان بثه عام 1993 واستمر حتى عام 1996 مقدما 133 حلقة عن أهم مسرحيات العالم ومؤلفيها، بدءاً بشكسبير وموليير وابسن ، ومروراً بتوفيق الحكيم وألفريد فرج وسعدالله ونوس ، وليس انتهاء بسماء عيسى .. لعلي كنتُ أتابع هذا البرنامج بالذات بحكم دراستي في قسم الفنون المسرحية .. ولعل هذا هو أيضا – أي دراستي للمسرح - ما جعل أول مقترح لي للتعاون مع الاذاعة باعداد برنامج عنوانه "عباقرة المخرجين في القرن العشرين" الذي تناول حياة وأعمال وفكر كبار المخرجين المسرحيين في العالم الذين عَبَروني في فترة دراستي ، كالروسي ستانسلافيسكي والبريطاني جوردن كريج ، والبولندي جيرزي جروتوفسكي ، والألماني برتولد بريخت وغيرهم .. قدمتُ تصور البرنامج للعامري بصفته رئيسا لقسم البرامج الثقافية متمنيا عليه في حال الموافقة أن يكون هو أحدَ مُقدّمَيْه .. وتمت الموافقة بالفعل بُعيْد أسابيع من تخرجي ، وقدمه صالح مع الزميلة بسمة المعولي بدءاً من يناير 1996 .. واستمر البرنامج بشكل أسبوعي لأكثر من دورة اذاعية ( الدورة الواحدة ثلاثة أشهر ) .. أثناء ذلك كنتُ قد قدمتُ رسالة طلب توظيف في الاذاعة وقابلتُ – بواسطة صالح – مدير عام الاذاعة آنذاك الأستاذ علي بن عبدالله المجيني ، الذي رحب بي ووعدني أن يكون اسمي مدرجاً ضمن المتقدمين لشغل وظائف في أقرب فرصة .. هذه الفرصة الأقرب جاءت بعد حوالي عام من هذه المقابلة العابرة ، حين نُشِرَ اعلان في الجريدة يطلب من 42 اسما التقدم للمقابلة الشخصية في يوم معلوم ، وكانت المفاجأة الصادمة لي أن اسمي لم يكن من بين هذه الأسماء .. فثارت ثائرتي وتقدمتُ برسالة تظلم الى الأستاذة منى المنذري التي خلفت المجيني في منصب مدير عام الاذاعة .. ومختصر الكلام فقد تمت - بمساندة من العامري ومن الأستاذ محمد بن ناصر المعولي الذي كان وقتذاك مدير دائرة التسجيل والمكتبة – اضافة اسمي الى المتقدمين لشغل الوظائف الاعلامية، ونجحتُ في المقابلة لأصبح زميلا لصالح العامري في الاذاعة بدءاً من 1 مارس 1997 ، وهي الزمالة التي لن تدوم للأسف أكثر من عام واحد ، حيث سيقدم صالح تقاعده المبكر عام 1998 ، لكنه لحسن الحظ سيظل متعاونا مع الاذاعة منذ ذلك التاريخ والى اليوم ، وعندما أتأمل هذا الأمر الآن أجد أن تقاعده ذاك خدم الاذاعة أكثر من كونه موظفاً فيها ، اذ أتاح له التفرغ للقراءة المكثفة والنوعية التي كانت سببا في غزارة انتاجه الاذاعي فيما بعد كمتعاون لا كموظف. ظل العامري يرفد الاذاعة بالكثير من الأفكار البرامجية الثقافية المميزة التي صنعتْ منه رمزاً من رموز الاعلام الثقافي في السلطنة .

( 3 )
بعد تخرجي من الجامعة كنتُ متلهفاً لتكثيف قراءاتي وتنويعها في كتب نوعية تثري ثقافتي وتربي ذائقتي على الفن والجمال ، ولكن أنى لي ذلك ومكتبات بلادي تبيع أقلام الرصاص لا الكتب ، وان باعت فليس سوى كتب الطبخ والأبراج وكيف تتكلم اللغات في عدة أيام ؟! .. كنتُ أسمع بأسماء ثقافية مهمة وعناوين كتب بلا أمل في الحصول عليها سوى انتظار معرض مسقط للكتاب ، وعندما يأتي هذا المعرض يكتشف المرء أن ما يفتقده من كتب أكثر بكثير مما يجده . في خضم هذا بدأ صالح العامري في أول يوم من سنة 1997 بث برنامجه الاذاعي الأشهر "كتابات من العالم" الذي كان يقدم فيه "نتفاً وشذرات من فضاء الكتابة الخلاق" كما دأب على القول في ترحيبه بالمستمعين .. كان هذا البرنامج بالنسبة لي بمثابة كنز معرفي ، موسوعة معارف شاملة متنوعة تقدم لمتابعها مقاطع منتقاة من كتابات الأدباء والفلاسفة والمفكرين ، وترشده الى عناوين كتب مهمة كفيلة باثراء ثقافته وتوسيع مداركه .. كل ذلك مقترن بأداء العامري الهادئ البعيد عن التكلف .. لقد بلغ شغفي بهذا البرنامج أني كنتُ أسجل حلقاته وأعيد سماعها في سيارتي وخاصة في تلك الرحلة الطويلة – نسبيا – من مسقط الى صحم .. يصحبني صالح العامري في الطريق كرفيق سفر طيب ، يُسمعني أشعار المتنبي ودرويش وجاك بريفير وريتسوس ، ويسرد لي قصصاً مدهشة لبورخيس وكورتاثار ، يقرأ علي حكم التاو والزن ويُسمعني حكايات ايسوب وأسطورة اللقلق الدانمركي ، يحدثني عن جنون نيتشه وعبقرية بيتهوفن ، ويُلفتني إلى التقاطات باشلار وكليطو .. ومازلتُ إلى اليوم أحتفظ بما لا يقل عن عشرين شريط كاسيت من هذا البرنامج "المخضرم".. وأقول المخضرم لأن العامري بدأ بثه بشكل أسبوعي وهو ما زال موظفاً في الاذاعة، واستمر في تقديمه بعد تقاعده بشكل يومي حتى عام 2006 مقدما خلال هذه السنوات التسع 575 حلقة اذاعية .. ولأنني حفظتُ كثيرا من الشذرات التي سمعتُها تحديدا في هذا البرنامج ، ثم استشهدتُ بها بعد ذلك في كثير من مقالاتي سأقول إنني أدين بـ"ثقافتي" ( ان جاز التعبير ) لرجل اسمه صالح العامري .

( 4 )
بدأت رحلة صالح العامري الاذاعية ببرنامج "مرايا ثقافية" الذي قدمه سنة 1989 – أي بعد سنة واحدة من توظفه في الاذاعة – وهو برنامج أسبوعي مدته ساعة يطرح على بساط الحوار قضايا ثقافية مرتبطة بالمشهد الثقافي العُماني آنذاك، مستضيفاً عددا من المثقفين العمانيين الذين لهم اسهاماتهم في هذا المشهد كالأستاذ أحمد الفلاحي والشاعر هلال العامري والدكتور محمد الذهب .. هذه الحوارات الثقافية المتعمقة سيخرج بها صالح بعد ذلك من الاطار المحلي الى اطار عربي أوسع في برنامجه الآخر "وجوه وأسئلة" الذي بدأ بثه عام 1990 وحاور فيه العامري نخبة من المثقفين العرب كالشاعر سيف الرحبي والناقدين عبدالله الغذامي ويمنى العيد، والمسرحي عوني كرومي والأديب عبدالقادر عقيل والدكتور محمد الرميحي وعبد الواحد لؤلؤة وغيرهم .. في السنة نفسها (1990 ) قدم صالح برنامجاً يوميا من اعداد هزاع بن جمعة الفارسي بعنوان "مصابيح فكرية" يعرف مستمعيه على مدى تسعين حلقة ببعض المصطلحات في الفكر والأدب والفن . وهذا البرنامج هو من البرامج القليلة التي اكتفى فيها صالح بالتقديم فقط من دون الاعداد ، تماما كما سيفعل لاحقا في "عباقرة المخرجين" سالف الذكر .. بعد ذلك بعامين ، أي عام 1992 قدم صالح العامري برنامج "الملتقى الثقافي" الذي شاركته تقديمه المذيعة بسمة المعولي وتضمن قطوفاً ثقافية مختارة من شعر وسرد وفكر ومسامع من أمسيات شعرية ومحاضرات ثقافية ، وأذكر أنني استفدتُ من هذا البرنامج مؤخراً باستلال مسمع من محاضرة للمفكر محمد بن عابد الجابري أثناء تغطية برنامجي "المشهد الثقافي" لرحيل هذا المفكر العربي قبل عدة أسابيع .. وفي العام نفسه ( 1992 ) قدم صالح برنامج "من الأدب الخليجي" الذي استضاف خلاله على مدى 39 حلقة العديد من الأدباء الخليجيين .. ستمضي سنة واحدة ليبدأ عام 1993 برنامجه "عالم المسرح" الذي سبقت الاشارة اليه ، ثم بعدها بعامين يقدم العامري برنامج "قضايا وآراء" ( 1995 ) الذي يستفيد خلاله من لقاءات مع كثير من الأدباء والمفكرين العرب سجلها أثناء رحلة له في عدد من المدن العربية .. وفي عام 1997 بدأ بتقديم "كتابات من العالم" كما سبقت الاشارة ، ثم قدم عام 1998 برنامج "مفاهيم نقدية" الذي يعرض بالشرح والتحليل -وكما يتضح من العنوان - بعض المفاهيم التي تعورف عليها في النقد الأدبي كالإبداع والسيرة الذاتية والنقد المقارن وغيرها .. أما في عام 1999 فقد قدم برنامجه "أنفاس مبدعة" الذي سلط فيه الضوء على مبدعين عالميين وعرب أثروا العالم بأدبهم ولغتهم وخيالهم الخصب من أمثال بورخيس وريلكه والمتنبي ولوركا وطاغور ، معرجاً كذلك على أدباء عمانيين كسماء عيسى وزاهر الغافري ومحمد الحارثي وناصر العلوي وعبدالله الريامي ويحيى اللزامي .
وعندما تأتي الألفية الجديدة يستقبلها صالح سنة 2002 ببرنامج "ظلال المعنى" الذي شاركته تقديمه المذيعة هند الحجري وتناول فيه في كل حلقة كلمة عربيةً ما ( الروح ، الضحك ، الذكرى ، السر ، الحب ، النار ، الخ ) متتبعا معانيها المختلفة في اللغة وأهم ما كتبه الأدباء والفلاسفة والمفكرون حول هذه الكلمة ، وهو برنامج شبيه الى حد ما ببرنامج آخر سيقدمه العامري عام 2007 بعنوان "كلمات ليست كالكلمات" .. وهذه السنة أيضا ( 2007 ) شهدت ثلاثة برامج أخرى لصالح العامري هي : "رهافة الوصف" الذي تناول في نحو 30 حلقة أجمل ما قيل في وصف الكائنات والأشياء ، كوصف العمى لبورخيس والمعري ، ووصف الطبيعة لجوته ، ووصف موت ظبية حي بن يقظان لابن طفيل ، ووصف الغربة والغريب لأبي حيان التوحيدي ، ووصف الذئب للشنفرى ، وبرنامج "شواخص فنية" الذي سلط الضوء على عدد من الأعمال التشكيلية الخالدة لعدد من فناني العالم كرمبرانت وبيكاسو وفان جوخ وخوان ميرو ، وبرنامج "من روائع الرواية العالمية" الذي تناول فيه عددا من الروايات العالمية المهمة كـ"الجريمة والعقاب " لدستويفسكي، و"موبي ديك" لهرمان ميلفيل، و"كائن لا تحتمل خفته" لكونديرا ، و"موسم الهجرة الى الشمال" للطيب صالح ، وفي هذا البرنامج اكتفى العامري بالاعداد تاركاً مهمة التقديم للمذيعَيْن سعيد الزدجالي وباسمة الراجحي، وهو الأمر ذاته الذي تكرر في البرنامج الصباحي "أشواق الصباح" الذي كتبه العامري عام 2009 بلغة شعرية أخاذة وقدمه المذيعان عايدة الزدجالي وسعيد العميري .

( 5 )
نصل الى سنة 2008م التي نستطيع القول بشيء من اليقين بأنها السنة الأغزر انتاجاً اذاعياً لصالح العامري ، حيث قدم فيها وحدها سبعة برامج ، هي : "كيف رحل هؤلاء" الذي شاركته تقديمه هند الحجري وقدم فيه سرداً للأيام الأخيرة في حياة نحو ثمانين من مشاهير الأدب والفكر والفن كالحطيئة وابن المقفع وأمل دنقل ودستويفسكي ونوفاليس ، وغيرهم .. ثم برنامج "مدن ومشاهير" الذي تناول فيه ثلاثين مدينة عربية وعالمية وأهم المشاهير الذين ارتبطت بهم هذه المدن وما كتبوه وقالوه عنها ، وبرنامج "رسائل" الذي قدم فيه اثنتين وثمانين رسالة مختلفة لمشاهير الأدب والفكر والفن ، كرسائل جبران خليل جبران لمي زيادة ، ونزار قباني لأمه ، وفيرتر لوليم في رائعة الألماني جوته "آلام فيرتر" وغيرها ، وبرنامج "وجوه وظلال" الذي قدم فيه نحو ستين مهنة أو صفة بشرية وما قيل أو كتب فيها من شذرات أدبية وفلسفية كالحطاب والراعي والجندي والفلاح والحارس والمهرج ، الخ ، وبرنامج "لقاءات الزمن الواحد" الذي عرض فيه في كل حلقة من حلقاته الثلاثين الجوانب المشتركة بين شخصيتين شهيرتين عاشتا في زمن واحد مثل امرؤ القيس وعلقمة الفحل ، ولاو تسو وكونفوشيوس ، ورامبو وفيرلين ، وبرتراند راسل وهنري برجسون، وغيرهم ، وبرنامج "وشائج خالدة" الذي تناول فيه صلات ربطت بين شخصيات ثقافية في علاقات كان لها دور في هذه الشخصيات كعلاقة المتنبي بجدته ، والسياب بأمه، وجمال الدين الأفغاني بمحمد عبده ، وسقراط بأفلاطون ، ولوركا بأصدقائه ، وبرنامج "علامات دامغة" الذي سلط الضوء على علامةٍ ما اشتهر بها أحد المشاهير كمصباح علاء الدين، وعُود الفارابي، وديك سقراط، وغراب قابيل ، وحذاء امبادوقليس .
( 6 )
في عام 2009 قدم صالح العامري برنامج "رؤى" الذي ينتقي بعض الشذرات المكتوبة من قبل أدباء ومفكرين وفلاسفة ، والتي تعبر عن رؤاهم في مواضيع متنوعة ، وقد قدم من هذا البرنامج 169 حلقة ، كما أعد البرنامج الصباحي "أشواق الصباح" الذي سلفت الاشارة اليه ، علاوة على استمرار برنامج "كيف رحل هؤلاء؟" الذي بدأ عام 2008 . وأخيرا وليس آخرا برنامج "أقنعة فنية" الذي قدم ثلاثين شخصية شهيرة في الأدب والفلسفة والثقافة العالمية اختارت الظهور بغير أسمائها الحقيقية ، كأدونيس ومارك توين .
أما في عام 2010 فقد قدم برنامج "يوميات وذكريات" في نحو 150 حلقة تقدم كل منها جانباً من أدب السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات للعديد من الأدباء والمفكرين والفنانين مثل محمود درويش ونزار قباني وصبحي حديدي وجان جاك روسو وسلفادور دالي وغيرهم . أما البرنامج الآخر الذي قدمه في 2010 فهو "ثنائيات" الذي يتناول مفردتين متضادتين ( كالقوة والضعف ، والصمت والكلام ، الخ ) وما قيل وكتب عنهما في الأدب والفكر والعلوم .
( 7 )
حاور صالح العامري خلال مسيرته الاعلامية التي تجاوزت العشرين عاما عشرات المثقفين العمانيين والعرب ، ولكنه للأسف يرفض حتى اليوم أن يكون هو المحاوَر ( بفتح الواو ) ، ولقد باءت كل المحاولات لمحاورتِه – مني ومن غيري – بالفشل ، وأقصى ما استطعتُ الظفر به منه شهادتان مسجلتان للبرنامجين الاذاعيين "حوارات ثقافية" ، و"ساعة مع قاص" ( عام 2006 ) عن صديقيه المبدعَيْن عبدالله حبيب وزاهر الغافري ، هما من أجمل الشهادات التي قُدمتْ في ذينك البرنامجين .
( 8 )
يختتم صالح العامري احدى شهادتيه الاذاعيتين اللتين أشرتُ اليهما أعلاه ، بهذه العبارة التي لا أجد أنسب منها لأختتم أنا بدوري شهادتي عنه :
"ما يبقى هو القلب ، القلب اليتيم المحصن عن التلوث ، القلب المنخرط في الحنين والحب ، في السؤال والكتابة" .






الأربعاء، 7 يوليو 2010

يوميات بيروت


لا يرى بيروت الا من كان بصر عينيه في قلبه



الخميس 24 يونيو 2010 :



مساءً نخرج للتنزه على الكورنيش فتكافئنا بيروت بالمطر .. انها تمطر في عز الصيف .. مطر ليليٌّ حانٍ يحيل المشي من مجرد رياضة الى عناق للمطلق .. بيروت أحبتْنا ، ما في ذلك شك .. فسأعرف لاحقا من موظف استقبال الفندق أنها نادرا ما تمطر في الصيف .. ولا أظن خالد الزيدي مخطئاً أو طاعناً في الرومانسية عندما اعتبر أن "هذه دموع بيروت لاقتراب رحيلنا" .. البشر الذين كانوا يملأون الكورنيش وأرصفته اختفوا فجأة مع المطر .. علق سالم الرحبي : " أهل بيروت أدرى بأزقتها ومخابئها السرية ". لا يرى بيروت إلا من كان بصر عينيه في قلبه، لا بصر قلبه في عينيه ، فمهما ادعيتَ أنك أحببتَ هذه المدينة وأحبتك فلن تستطيع المجازفة بالزعم أنك عرفتَها .. انها فتاة لعوب لا تبدي لك من مفاتنها الا ما يشجعك على التوغل فيها أكثر ، وفي اللحظة المناسبة تعرف كيف تتملص منك بلباقة ، تماما كما فعلتْ بخالد الذي من فرط غوايته بها طلب يدها للزواج فرفضته على الفور، ولكي لا تؤذي مشاعره هدهدتْه الى أن نام، وحين استيقظ كان يظن أن ما جرى ليس أكثر من حلم !! ..
من على شرفة الغرفة 504 في الطابق الخامس لفندق Sultan Palace يمكن مشاهدة أهل بيروت يسعون في مناكبها كالنمل يحرسهم صوت المؤذن وأبواق السيارت وأنين محركات الدراجات .. والمتسولة التي اعتادت الجلوس أمام مدخل الفندق مادةً يديها للمارة احترمت رغبة المطر فابتعدتْ ..
بيروت في المطر مدينة مختلفة تماما .

صباح الأربعاء 23 يونيو 2010 :



لا أحد يستطيع أن يحدس ما الذي تفكر فيه امرأة حامل تنظر الى نفسها في المرآة عارية ! ॥ لعلها تستحضر شعور طفلها حين سينقذف الى هذه الفانية بعد شهرين أو يومين ، أو ثلاث دقائق ، لا فرق .. لا يمكن أن يكون نبيل مروة قد وضع هذه اللوحة بالذات اعتباطا .. هكذا في واجهة مكتبه ، أعلى الكرسي الذي يجلس عليه مباشرة، بحيث تكون في مواجهة الجالس أمامه । هناك أكثر من تأويل لهذا الأمر .. كناشر عربي مهمّ لا بد أنه يدرك أن مكتبه هذا قِبلة لكثير من الكتّاب والأدباء العرب .. المسألة اذن أنه يُجلس الكاتبَ أمامه ويقول له بطريقة بليغة وهادئة وغير مباشرة : أنت أيضا حامل بكتابك هذا الذي تُريد نشره ، وأنا القابلة .. ولكن ، ما لم يكن كتابك يعبر عنك بصدق وشفافية ويجعلك تتأمل ذاتك وعُريك بعمق كما تتأمل هذه المرأة الحامل نفسها في اللوحة فعليك أن تبحث عن دار نشر أخرى .. هذا ان كان الجالس كاتباً أو فناناً ، ولكن ماذا لو كان مُجالِسُ نبيل مروة مجرد قارئ عادي وممن يستهجنون العُري في الفن .. لعل الرسالة المبطنة هنا اذن هي : "كلمني بتواضع من فضلك ، وانظر الى عيني مباشرة ، أما ان رفعتَ عينك عني فلن ترى الا العُري" .. سألتُه : لمن هذه اللوحة ؟ ، أمال رأسه للخلف وتأملها ثم قال : "هي لفنانة لبنانية اسمها ريم الجندي ، والمرأة التي في اللوحة بالمناسبة هي نفسها ريم التي رسمتْ نفسها وهي حامل" .. هذا لزوم ما لا يلزم يا أبا علي .. لماذا تشوش على خيالي وتمنعني من أسطرة امرأة اللوحة باحالتها الى واقع !! .. "وهذه لوحة أخرى لنفس الفنانة على الحائط خلفك" يضيف .. ألتفت للخلف فأرى أمرأة أخرى بثدي عار ولكن لا يبدو أنها حامل .. أفكر أنهما لوحتان تصلحان بامتياز لأحد أعداد مجلة "جسد" التي قلتُ لمروّة انها أكثر (كتاب) أُوصيتُ به من عُمان !! ..
فيما بعد ، وتحديداً في مساء اليوم ذاته - حيث سأكون مدعواً لعشاء في بيت صاحب "الانتشار العربي" بصحبة الزميلتين هدى وجميلة الجهوريتين – سأتأكد الى أي مدى هو عاشق للفن التشكيلي هذا الـ"نبيل مروة" .. فها هي صالة بيته تزدحم بلوحات متنوعة لفنانين لبنانيين وعراقيين ويمنيين، بل وعُمانيين.. فهذه لوحة مهداة اليه خصيصا من الفنانة نادرة محمود ممهورة بتوقيعها المؤرخ سنة 1993 ، هذه الفنانة التي لم يمض شهران على وقوفي شاهداً ( مع الصديق عبدالرزاق الربيعي ) على اعجاب الفنان نصير شمة الشديد بلوحاتها التي رآها أثناء زيارته الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ، الى درجة أنه قرر أن يبحث عن هاتفها ليدعوها بنفسه الى حفلة العود بالجامعة .

مساء الأربعاء : 23 يونيو 2010



دوي طلقة كبيرة أقرب الى الانفجار ، مصحوبة بزعيق أبواق مزعج .. يهب نديم على الفور خارجاً من الصالة ، ليعود بعد دقيقة معلنا : "ألمانيا سجلت هدفا" .. نواصل حوارنا الذي قطعتْه فرحة الهدف .. نعود الى الحديث عن ربيع جابر وعبده خال وعادات التنميط التي تقع ضحيتها بعض المجتمعات العربية .. كنا قد وصلنا - أنا والجهوريتان - الى بيت نبيل مروة في سيارة ابنه نديم ، لنجد في انتظارنا أيضا ضيوفاً آخرين منهم حسن ياغي مدير المركز الثقافي العربي الذي نشر لجمعية الكتاّب مؤخرا كتاب "الكلمة بين فضاءات الحرية وحدود المساءلة " .. أسأله عن سر غيابه عن معرض مسقط الأخير فيعتذر مؤكدا أن حالة وفاة هي ما منعه من الحضور .. انفجار آخر مدوٍّ يُخرِجُ نديماً مرة أخرى .. يعود ولكن أصوات الانفجارات المصحوبة بالأبواق المزعجة لم تتوقف .. يعلن نديم : "ألمانيا فازت على غانا " .
من يرى بيروت هذه الأيام يظن أنها هي من يستضيف المونديال لا جنوب أفريقيا .. أعلام الدول المرشحة للفوز في كل مكان .. البرازيل في المقام الأول ( نظرا لأن كثيرا من اللبنانيين يقيمون هناك ، كما يحلل الكاتب والاعلامي وليد شميط ) ، ثم ألمانيا .. وبدرجة أقل الأرجنتين وايطاليا وفرنسا .. الشاشات الضخمة تملأ المقاهي والمطاعم والنوادي الليلية .. والأعلام تزين السيارات وواجهات المحلات .. هيكل حداد ( رئيس تحرير العلاقات العربية بدار الصياد في لبنان ) يخبرنا ونحن متجهون الى رأس النبع – فيما يشبه الاعتذار - أن ابنه هو من وضع علم البرازيل في مقدمة سيارته .. احتفالات فوز ألمانيا يتعالى صخبها فتفتح أم علي النافذة لتنظر .. لبناني منزعج يخرج من شرفته في الطابق السادس ليسكب الماء فوق المحتفلين الشباب وهو يصرخ بعبارات شتم .. انفجار قوي آخر يرغم أم علي على غلق النافذة بسرعة وكأنها بذلك ستمنع الصوت من الدخول .. تسألها هدى : "هل تحتفلون هكذا عندما يفوز منتخب لبنان " ، ترد أم علي على الفور : "مش لما نفوز .. لما نموت ما حدا دريان فينا " ! .

مساء السبت: 26 يونيو 2010



هل أطلب منه ذلك الآن ؟! .. ولكن ماذا لو ربط طلبي بالمعلومات التي ذكرها قبل قليل ، ألن يتشاءم مني ؟! .. سأظل ممزقا بين هذين الخيارين فيما يواصل هو تعريفي بالمنطقة .. كنا قبل قليل قد قرأنا الفاتحة على ضريح رفيق الحريري ، وشاهدنا أكاليل الزهور الموضوعة على قبره ، ثم ها نحن نتجول في المنطقة المحيطة .. يتحدث وليد شميط عن التنوع المعماري المهم الذي تزخر به بنايات ساحة النجمة ، والذي يعكس عدة حضارات انسانية .. هنا مبنى مجلس النواب اللبناني ، وبالقرب منه مبنى صحيفة الحياة ، وأسفل منه مقر مؤسسة الفكر العربي .. ليس لهذه الأسباب فقط تبقى ساحة النجمة مزاراً سياحيا مهمّا ..بل أيضا لوجود مقهى "L,ETOILE" أو النجمة .. هل أطلب منه أن نجلس فيه قليلا ؟! .. كلا .. سيتشاءم .. فقد أخبرني للتو أن هذا هو آخر مكان جلس فيه رفيق الحريري قبل اغتياله .. كان ذلك قبل خمس سنوات ، حين خرج رئيس الوزراء اللبناني الأسبق مبكراً من جلسة مجلس النواب فقرر أن يستريح قليلا في مقهى "L,ETOILE المجاور .. سيشرب الحريري قهوته أو شايه ( لا أدري بالضبط ماذا شرب في ذلك اليوم ) ثم سيغادر موكبه المكان ، ليكون بعد دقائق معدودة الخبر الأول في كل وكالات أنباء وفضائيات العالم ، ولتتناقل هذه الفضائيات صورة الشاب اللبناني الذي كان يحترق أمام العالم .
أذكر ذلك اليوم جيدا ، فقد كتبتُ من وحيه مقالاً لصحيفة عُمان عنوانه "حبك نار" ربطتُ فيه بين النار التي خلفها ذلك الانفجار الضخم وبين تاريخ 14 فبراير الذي وقعتْ فيه الحادثة ، والذي هو للمفارقة يوم عيد الحب ! ..
- مش عم بترد
يقول وليد شميط بنبرة لا تخلو من القلق على زوجته الروائية رفيف فتوح التي خلفناها وراءنا في مكان قريب من ساحة النجمة وبصحبتها هدى وجميلة .. ولكنهن ما يلبثن أن يظهرن فجأة فيقترح شميط أن نقعد قليلا في مقهى لنرتاح ونشرب شيئا .. قلتُ على الفور : "يا ريت " وأنا أمني النفس أن يختار مقهى L,ETOILE الذي يبعد عنا خطوات قليلة .
ولكنه اختار مقهى آخر ।



الأثنين 21 يونيو 2010:



الساعة الثانية ليلا .. أقلب القنوات بسرعة بحثاً عن قناة عُمان.. لا أنتظر برنامجا بعينه ، بل فقط هي عادة أَلِفتُها في سفري أن أبحث عن وطني في التليفزيون .. كالعادة ليست الفضائية العُمانية من القنوات الفضائية المفضلة لدى الفنادق العربية .. مديرها العام سيصل لبيروت بعد عدة أيام بصحبة مدير البرامج ، ولكن بالتأكيد ليس ليتأكدا أن قناة عُمان تبث في الفنادق البيروتية .. أتوقف عند قناة الجديد اللبنانية وصورة مألوفة لدي .. يا الهي ! .. هذه فيروز .. أخييييراً رأيتُ فيروز تتحدث لا تغني .. مرة قرأتُ أننا نحب فيروز كثيرا لأنا لا نسمعها تتحدث .. السنوات الأربع والسبعون بادية على محياها ارهاقا وحزناً على شيء ما .. لعله الحنين للرجل الذي تتحدث عنه، والذي سأعرف لاحقا من الصديق النمام جوجل الانترنتي أن اليوم هو ذكرى رحيله الرابعة والعشرون ( مات في 21 يونيو 1986 ، وهو ما يجعلني أجزم أن فيروز لا يمكن البتة أن تكون استمتعت بمونديال مارادونا في المكسيك ) .. كان عاصي الرحباني شريك حياة بمعنى الكلمة : فهو لم يكن زوجاً لفيروز وأباً لأبنائها الأربعة فحسب، بل قبل ذلك وأثناءه وبعده مكتشفاً وراعيا وحارساً أمينا لموهبتها الفذة .. كانت تتحدث عنه بحب شديد " حبيت صور عاصي ومطارحو ، ودخلت عليها وما عاد فيي اطلع منها ( ... ) ترك لنا جمال كتير وفل بكير " ، وان أمكن من بين كلمات الحب تلك استنتاج الى أي مدى كان عاصي صارماً وديكتاتورا في تعامله مع فيروز ومع فرقته الموسيقية "في الوقت، هوّي اللي بيقول كل الإشيا وبيحدِّد، الحقيقة مع الوقت" .. أجمل ما في الفيلم بساطته ، فقد كان يتنقل برشاقة بين كلام فيروز البسيط الذي يبدو أنه ارتجالي عن عاصي ، وكلامه هو عن نفسه من خلال لقطات ممنتجة من مقابلات تليفزيونية قديمة بالأبيض والأسود ، مدعماً ذلك بمقاطع من أغاني فيروز الرحبانية وأفلامها ومسرحياتها .. كانت الكاميرا تركز على وجه فيروز في لقطة مقربة ، لدرجة أنها حتى حين يغلبها الحزن ويتهدج صوتها فتصمت لثوان قليلة تظل اللقطة ثابتة على وجهها الى أن تستعيد رباطة جأشها وتعود للكلام من جديد .. قالت فيروز انها كانت بجوار عاصي وهو يعزف الموسيقى ، فسمعت صوت تنفسه فخامرها الخوف عليه من أن يكون هو خائفاً عليها !.. من حديث فيروز أستطيع أن أحدس أن عدم ظهورها في حوارات اذاعية أو تليفزيونية كان خطة عاصيّة ( نسبة الى عاصي ) لحراسة موهبتها ، فهي تحكي الآن أنه كان يمنعها حتى من تحية الجمهور بحجة أن عملها/ غناءها هو فقط الذي يفترض أن يكون معبرا عنها ، ومرة واحدة فقط سمح لها بعد احدى المسرحيات – وبعد الحاح منها – أن تعود الى المسرح لتحيي جمهورها !.
السؤال الذي يتبادر الى ذهني الآن : أين زياد من كل هذا ؟ .. صحيح أن الذكرى هي ذكرى عاصي ، ولكن أليس زياد بذرةً منه ؟! .. ألم يلحن زياد "سألوني الناس" عندما كان أبوه راقداً في المستشفى ؟! ، ألم يكن عاصي من المعجبين بـ"ع هدير البوسطة" لدرجة أنه هو من قرر أن تغنيها فيروز ؟!! .. على الأقل كنتُ أتمنى أن أعرف لماذا أصبح زياد مختلفاً ؟! هل لنظرية قتل الأب دور في هذا ؟! ، وكيف رضيت فيروز بالانسياق وراء زياد ؟! ، هل هي العاطفة الأمومية التي تسعى لانجاح ولدها بأية طريقة حتى وان لم تكن مقتنعةً بها ؟ ، أم هي ديكتاتورية الزوج التي جعلتها تسعى للتنفس عن طريق الابن ؟ أتُراها رأت فيه صورة والده التي أحبتها ؟!، أم أنها فعلا مقتعة بتجديد زياد في الموسيقى ؟! .. ستزداد حيرتي أكثر حين أعرف في نهاية الفيلم أن مخرجته ومنتجته هي ريما الرحباني ابنة فيروز وعاصي وشقيقة زياد !! .. " اذا كان الفيلم عائلياً محضاً فأين زياد يا ريما ؟ " سألتُ جوجل فيما بعد ، فأجاب بتصريح منها أن ذلك مرده إلى عفوية الفيلم وعدم التخطيط له "فكل شيء جرى دون تخطيط وفجأة ، وكان التصوير في عشرة أيام فقط" ! .. قالت "عفوية" قالت .. حسنٌ يا ريما .. كل شيء جائز ، ولكني أعرف أن يوم القيامة فقط هو الذي ينشغل فيه الولد عن أبيه ، وأمه وبنيه ، وفصيلته التي تؤويه!. ثم ألا تقولين في التصريح ذاته ان "محاولات تجاهل عاصي وتزوير تاريخه دفعني لإنتاج الفيلم" ، ألا يعني هذا أن ثمة تخطيطا وراء الفيلم ، وقراراً نابعاً عن تفكير !! ..
الآن أنا أستمع لأغنية "لبيروت مني سلام " في السي دي الذي تلقيتُه هدية من الأستاذ حسان الزين قبل يوم من رحلينا عن بيروت ، ولا يزال حلمي القديم الجديد يتراقص داخلي بيأس : "متى سأرى فيروز تغني في مسقط ؟! "

صباح السبت 26 يونيو 2010 :



حدث هذا في مكتبة "واي ان" .. شعور لذيذ عصي على الوصف أن تدخل مكتبة للبحث عن كتاب لأحد كتابك المفضّلين ، وحين تمسح بعينك المكان بحثا عن هذا الكتاب اذا بها ترتطم بكتاب آخر : كتابك أنت ! .. كنتُ أبحث في الأرفف عن كتاب حوارات محمود درويش مع الشاعر والصحفي عبده وازن ، حين سمعتُ صوتاً ليس غريبا عني : "هاي .. ألا تتذكرني يا صاح .. أنا ابنك ؟! " قالها الكتاب بنشوة .. أحمل "القمر" في يدي وأحضنه .. يسألني : "أين أبي الثاني ؟ " ، أجيبه بحنان : " في كندا .. قد يأتي ذات يوم ويراك صدفة أيضا" .. أمسح الغبار عن وجهه وأعيده الى رفّه ، وأذهب لأسأل أمين المكتبة "أين أجد كتاب "يقع الغريب على نفسه" ؟ .. بعد أن نقر على الحاسوب اعتذر الأمين عن عدم توفر نسخ من هذا الكتاب ، ولكني حين خرجتُ كان يخالجني شعور أنني أنا ذلك الغريب الذي وقع على نفسه ! .
بيروت هي مدينة الكتب بامتياز .. تفصل بين المكتبة والمكتبة مكتبة ثالثة .. وعلى المرء أن يكبحأنأن يكون مدرباً نفسه جيدا على كبح جماحه أمام الكتب والا لكانت كل مشترياته من بيروت كتبا .. ومن كان مثلي معبأ بعقدة الكتاب العُماني وانتشاره فقد كان طبيعيا جدا أن يصرف تركيزاً أكثر لاكتشاف كتب عُمانية في هذه المكتبات .. لم تكن الحصيلة سيئة ، فقدر رأيت كتابي في مكتبة انطوان ، و"كورون" علي الصوافي ودراسة رفيعة الطالعي عن الرواية في الخليج في مكتبة بيسان ، و"سيدات قمر" جوخة الحارثي في مكتبة "فيرجن" . وفي هذه المكتبة الأخيرة ثمة طريقة مبتكرة لترويج الكتاب وتسويقه .. تصطف الكتب على جانبي الدرج المؤدي للطابق الثاني الذي تباع فيه الكتب .. يصعد الزائر وهو يتأمل في الدرج عناوين الكتب التي ستكون بانتظاره .. عرفتُ من وليد شميط - مرافقي في رحلتي لهذه المكتبة - أن "فيرجن" هي مكتبة عالمية لها أفرع كثيرة في العالم ، ولكن لا يوجد في الوطن العربي الا فرع بيروت ، وقد أسسها مثققف بريطاني يُدعى ريتشارد برنسون بهدف تشجيع الشباب على القراءة من خلال بيع الكتاب جنبا الى جنب مع الموسيقى والأجهزة الالكترونية .
ثمة كتب جديدة كنتُ أرتطم بها في معظم المكتبات التي زرتُها ، وهي تكشف الى أي مدى ذوق قراء بيروت متنوع ومتعدد الاتجاهات .. من هذه الكتب : "رياض الصلح" لباتريك سيل ، "أبناء ودماء" رواية لمياء بن ماجد بن سعود ، "اقتل خالد .. عملية الموساد الفاشلة لاغتيال خالد مشعل وصعود حماس" لبول ماغوو ، "الأمير بندر بن سلطان" لوليم سيمبسون .. "العز في القناعة ..رأس الخيمة ومحيطها قبل النفط" لوليام وفيدلتي لانكستر ، "بيروت في قصائد الشعراء .. دراسة ومختارات" لشوقي بزيع ، "صلاة ، طعام ، حب .. امرأة تبحث عن كل شيء" لاليزابيث جيلبرت ، "اللوح الأزرق" لجيلبرت سينويه ، والمجموعة الكاملة لجبران خليل جبران بالعربية .

الأحد : 27 يونيو 2010



طلبٌ غريبٌ من شرطي مطار رفيق الحريري لثلاثة شبان عُمانيين على وشك مغادرة بيروت وهم يلهجون بحبها .. طلبٌ بالاشارة فقط ، فهو لا يعرف أن اسمها "كمة" .. كنا قد خرجنا من فندق Sultan Palace قبل ذلك بحوالي نصف ساعة مرتدين دشاديش بدون اتفاق مسبق .. ولأنه زينا الرسمي فان لكل دشداشة كمّة مساوية لها في الاعتبار ومتعالية عليها في الاتجاه .. وحده خالد الزيدي ارتدى القميص والبنطال برأس حافٍ ، وعينين مسددتين للفراغ ، معفياً نفسه من مواقف غير محسوبة .. "ارفعوا الكمة اذن لنرى ماذا تخبئ رؤوسكم " قالها الشرطي بيده .. لحظتها أمكن سماع ضحكة صلعة سالم فَرِحة بفرصة غير متوقعة للتنفس في الهواء الطلق .. رفع سالم كمته الخضراء فطارت فكرة من رأسه وحطت على يد الشرطي ، تأملها هذا الأخير بتركيز شديد سبق أن تدرب عليه : رأى حنيناً لطفلين صغيرين وأمهما، وانتظاراً لشهادة جامعية من بلاد بعيدة ، وشيوخاً هرمين ينظرون اليه بتوجس وهو يمد اليهم ميكروفونا صغيرا ويسأل : "أين كنتَ قبل أربعين عاما ؟ ".. عادت الكمة الى صلعة سالم من غير سوء فوجه الشرطي اشارته الى كمة خميس الزرقاء الفاتحة .. طارت أفكار خميس بعيداً عن الشرطي الذي ظل يلاحقها بعينيه : رأى صفحة طويلة يزدحم فيها شعراء ومتشعرون ، وسيمون وبدناء .. وطفلا صغيرا يزحف الى المطبخ محاولاً أكل السخام .. وبيتين من قصيدة جديدة :
تدري الزمن ظالم أنا أيش سوا لي ؟! ... حملني جدار همي "م" أكثر طياحه
خذني وانا المنكسر بي ضايق بالي ... هو الشقا لي وباقي الناس مرتاحة
واذا كنتُ أنا من "باقي الناس" الذين أشار اليهم خميس الا أنني لم أكُ مرتاحاً البتة بخلع كمتي الصفراء .. فما ان ارتفعتْ بضعة سنتمترات عن رأسي حتى طارت أفكار كثيرة كان يمكن أن تكون صالحة لهذه اليوميات ، ولم يتبق لي سوى الكتابة عن ثيمة خلع الكمة ! .
ولكن مهلا ، لماذا هذا التهكم ؟! .. هل تجاوز الرجل حدود وظيفته ؟! .. لماذا لا ننظر للأمر من زاويته المشرقة : هناك منفذ للتهريب خاص فقط بنا نحن العُمانيين .. علينا أن نفخر بذلك .. علينا أن نفخر بأن الكمة عمانية حتى وان كانت ذات أصل أفريقي ، فالعبرة بالخواتيم لا بالبدايات .. فمن قال ان الديمقراطية التي تصم بها أمريكا آذاننا ليل نهار هي أمريكية الأصل ؟! .. ثم هل كان ذلك موقفاً موجهاً ضد الكمة ؟! .. ألا يطلبون في بعض المطارات من أصحاب البناطيل ( ومنهم لبنانيون بالتأكيد ) أن يخلعوا أحزمة بناطيلهم أمام العالم ؟! .. ناهيك عن أن هناك زاوية ثالثة للنظر لهذا الأمر : بيروت تسألنا – عن طريق أحد أبنائها المخلصين الساهرين على أمنها وسلامتها - : "كيف كانت رحلتكم ؟! وكيف وجدتم كَرَمي ؟ هل ترفعون له القبعة ؟!" .. نعم .. نرفع لك القبعة يا بيروت .. نرفع لك الكمة .