الجمعة، 23 أبريل، 2010

فراشة الردة


تماهى شوانج تسو يوما مع حلمه بالفراشة حتى تعذر عليه معرفة ما اذا كان هو ( تسو ) الذي يحلم بالفراشة ، أو أنه الفراشة التي تحلم بأنها (تسو).. فماذا لو أن هذا الحكيم الصيني الذي مات قبل أكثر من ألفي سنة قرر أن يغادر قبره هذه الأيام ليتنزه على شاطئ "الردة" ( بولاية صحم ) ، قريتي الوادعة التي كتبتُ ذات يوم عن هوائها النقي ، وسمائها الصافية ، وعصافيرها المزقزقة ، وأهلها البسطاء الذين ينتظمون في سلك الطيبة ، وما في قلوبهم يندلق على شفاههم دون صعوبة.. أتُراه - تسو - بعد أن يرى فراشتها العجيبة هذه سيواصل الحلم أنه فراشة ؟
بدأت الحكاية باتصال هاتفي من الصديق عبدالله السعيدي يسألني بفضول طفل يتهجى العالم : "بما أنك من الردة شو حكاية الفراشة ؟ " ، ولأنني لحظتَها لا علم لي بالحكاية فقد أجبت : "لا أعرف ، وان كان يسعدني أن يرتبط اسم قريتي بفراشة ! ".. وحين ألحف في السؤال وعدتُه أن أوافيه بالتفاصيل بعد الاستعانة بشقيق.. قال محمود الذي لم يكن في الردة ساعتها ولكن الحكاية طارت اليه على بعد مئات الكيلومترات من صحم : "نعم.. يقال انهم وجدوها على شاطئ الردة ، هناك صورة امرأة على جناحها ، وقد جاءت الشرطة وحملتها ".. لم أنتبه لفرط ذهولي هل قال ان الشرطة اعتقلت الفراشة أم المرأة !
فراشة الردة اذن تختلف عن فراشة تسو بأنها تحمل على جناحها امرأة ، أو هكذا على الأقل ما أُشيع ووزّع بالصور على الهواتف النقالة في استدعاء مذهل للأساطير والأحلام يعجز عنه حتى أدب أمريكا اللاتينية !.. أراني أخي حمدان الصورة في هاتفه مع خلفية صوتية ، لم تكن بالطع مقطوعة الفراشة لشومان ، بل نشيداً دينيا يسأل الله الرحمة يوم يعرق منا الجبين ، وييأس منا لطبيب ، ويبكي علينا الحبيب.. كانت الفراشة ساكنة وكأنها نائمة وتحلم.. كنت أرقب شاشة الجوال بخشوع ، ويجلجل داخلي هايكو ياباني " حلم الفراشة بالازهار / أود أن أتعرفه / لكنه صامت"
قرأتُ مرة أن في عُمان سبعين نوعاً من الفراشات ، ولكن لم يقل أحد من الباحثين شيئا عن "فراشة المرأة" هذه ॥ فلتُسجّل الفراشة الحادية والسبعون اذن باسم "ردتي" الحبيبة॥ صورة الفيديو تقترب شيئا فشيئا من جناح الفراشة لتتبدى بشكل جلي المرأة وكأنها تنظر اليك باستفزاز.. أيكون "الفوتو شوب" ؟!.. أم أن الفراشة من أنصار حقوق المرأة ؟!.. كلا.. السؤال ليس عن الفراشة بل المرأة.. ماذا يعني أن تختار امرأةٌ ما أن تطير على جناح فراشة ؟!.. هل يعني هذا تحولاً سوسيولوجياً لقرية ظلت وادعة بأهلها الصامتين الهادئين ؟!.. أتكون هذه رسالة احتجاج ذكية ابتكرها دعاة الجندر ؟! ، أم أنها دودة هنري ميلر التي ثملت بجلال وعظمة الحياة فصارت فراشة !
أسئلة كثيرة فجرتها في رأسي فراشة ساكنة على شاطئ الردة تحمل على جناحها امرأة.. أسئلة لم أجد لها اجابة حتى هذه اللحظة.

الأحد، 18 أبريل، 2010

ماذا لو أن موسى ألقى عصاه في باريس ؟!



كانت عيني على المرشح العاشر ..
لا المصري فاروق حسني الذي أسقطتْه كتب إسرائيل التي لم يحرقها ، ولا البلغارية ايرينا بوكوفا التي لم يتوقع مواطنوها ولا حتى رئيسها فوزها بالمنصب ، ولا ايفون عبدالباقي اللبنانية الإكوادورية التي تعتز بدعم باراك أوباما زميلها السابق في جامعة هارفارد ، ولا النمساوية بينيتا فيريرو- فالدنر التي تتفاخر بدورها في إطلاق سراح الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات الخمس، الذين تسببوا بمرض حوالي 400 طفل ليبي ، ولا الليتوانية إنا مارشيوليونيته التي انتخبت لرئاسة لجنة التراث العالمي بعد عام واحد فقط من عملها كمندوبة لبلادها لدى اليونسكو ، ولا البنيني نوريني سيربوس الذي ربما ما كان ليترشح أصلاً لولا علاقة بلاده ( بنين ) القوية مع فرنسا ، ولا الروسي الكسندر فلاديميروفيش ياكوفينكو الذي قدم ترشيحه قبل أيام قليلة من إغلاق الترشيح ، وكأنه طالب مجدّ يستنفد وقته كاملا في الامتحان ، ولا التنزاني سوسبيتر موهونجو مؤسس المجلس الدولي للعلوم الذي وصف بأنه جيولوجي جاهل بالسياسة ، ولا الكمبودي محمد بيجاوي رئيس محكمة العدل الدولية السابق الذي رفض بلده الأصلي (الجزائر) الوقوف خلفه مفضلاً عليه فاروق حسني .
كانوا إذاً تسعة ، وعاشرهم لم يرشحه أحد غيري .. رغم أنني واثق أنه لو قدم أوراق ترشيحه هناك فانه قادر على الصمود حتى نهاية السباق ، ومن يدري ، فربما كنا رأينا عمانياً للمرة الأولى مديراً عاماً لليونسكو .. إنني أتحدث هنا عن سباق الترشيح المحموم لرئاسة منظمة اليونسكو الذي انتهى بفوز البلغارية ايرينا بوكوفا في الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي .. ومرشحي المقصود هو موسى بن جعفر بن حسن المستشار الحالي بالوفد الدائم للسلطنة لدى اليونسكو ، ومندوب السلطنة السابق لهذه المنظمة لما يقرب من ربع قرن ، والذي وقفتُ عن كثب على دأبه ونشاطه في المنظمة خلال تشرفي بالمشاركة ممثلاً لإذاعة سلطنة عُمان في الأيام الثقافية العمانية في اليونسكو في يونيو 2006 .
وبادئ ذي بدء ينبغي علي التوضيح لمن يهمه الأمر – ولمن لا يهمه كذلك - أنني لا أنطلق في ترشيحي لموسى جعفر وإيماني به من كونه عمانياً ( رغم شديد افتخاري بهذا الأمر ) ، بل من كونه الرجل المناسب للمكان المناسب .. أليس هو الرجل الذي انتخبه المؤتمر العام لليونسكو عام 2005 رئيساً لدورته الثالثة والثلاثين ولمدة سنتين ؟! .. أليس هو الحاصل على الدكتوراة في القانون من جامعة السوربون بباريس ؟! .. ألم يظل يشغل منصب المندوب الدائم للسلطنة لدى اليونسكو منذ عام 1984 وحتى مطلع هذا العام ؟! . ألا يمتلك تجربة ثرية مع الهيئات التنفيذية لليونسكو عززتها مشاركاته المتوالية في المؤتمرات العامة للمنظمة منذ عام 1978؟! . ألم يكن رئيسا للمجموعة العربية في اليونسكو لثمانية عشر عاما (1986 - 2004) ؟ . ألم يترأس اللجنة الاستشارية لخطة تنمية الثقافة العربية (أرابيا) التابعة لليونسكو منذ عام 2002 ؟! .. انجازاتٌ يصعب حصرها في مقالة محدودة الكلمات كهذه ، ولكنها – الانجازات لا الكلمات - كافية لتعزيز فرص الرجل ، خاصة إذا ما أضفنا إليها الميزة الأخرى ، وهي انتماؤه لدولة تتميز بعلاقاتها الودية الطيبة مع الجميع ، نتيجة لسياسة حكيمة اختطها جلالة السلطان المعظم - حفظه الله - قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين .. وهي العلاقات التي رأينا كيف تسنى لها دفع مرشح وإسقاط آخر .
لهذا كله أظن أنه يحق لي – حتى وان كان مجرد حلم يقظة - أن أحلم بموسى يُلقي عصاه في باريس .

الأربعاء، 14 أبريل، 2010

أن تمشي وراء حسن ربيع




عن الثقافة والرياضة وأشياء أخرى



الزمان : السادسة والنصف مساء 29 يناير 2009
المكان : مطار مسقط الدولي


حطت الرحلة 644 بحمد الله وتوفيقه في مطار مسقط الدولي، بعد تأخير في الإقلاع من مطار الكويت دام ستين دقيقة فقط لا غير، هي بالتأكيد لا تساوي شيئاً في زمان الله الشاسع، خاصةً إذا علمنا أن هذه عادةٌ أَلِفَها هذا "الناقل الوطني" العتيد استطاع من خلالها تربية زبائنه على الصبر وتحمّل الانتظارات!. طلب قائد الطائرة من ركابها التريّث إلى أن يهبط لاعبو منتخبنا الوطني أولاً.. قلتُ في نفسي: لا ضير يا صديقي، فبعد انتصارهم بالأمس فإنهم يستحقون هذه "الواسطة" غير الضارة، خصوصاً أن معظم الركاب الآخرين ما طاروا إلى الكويت إلا لتشجيعهم ومؤازرتهم. وأقول "معظم" وليس "كل" لأني أعرف اثنين من الكائنات البشرية على الأقل طارا في الرحلة نفسها لسبب آخر. قلت لبشرى: "ذهبنا وعدنا في نفس الطائرة المخصصة لتشجيع المنتخب"، ردت: "لعلهم سيلاحظون أننا لم نذهب للملعب"!. وبينما أنا أستذكر الصحفيين الذين رافقونا في الرحلة جيئة وذهاباً داهمني شعور فتّاك بالنقص فقلتُ لنفسي وأنا أضع رجلاً على رجل وأرفع رأسي للأعلى: "كانوا في مهمة رياضية، ونحن في مهمة ثقافية.. وكلنا نبض واحد ".. صدفة الضبط القدري وحدها جعلتْ أمسيتنا السردية أنا وبشرى خلفان في نفس توقيت المباراة، وعلى مبعدة أمتار فقط من أستاد السلام والصداقة بنادي كاظمة الذي احتضن المباراة، لدرجة أن زائري موقع رابطة الأدباء اضطروا لإيقاف سياراتهم بعيدًا. الحسنة الوحيدة لهذا الأمر أنه يتيح لنا أن نتحجج فيما بعد بالمباراة لقلة الحضور، وليس لأننا ممن "أدركتهم حرفة الأدب". قلتُ بعد ذلك لمن أبدى اندهاشه من عدم حضورنا المباراة رغم وجودنا في الكويت: " كنا نشجع منتخبنا بطريقتنا: نستدرج الجمهور الكويتي بعيداً عن الملعب ". سألني الكاتب الكويتي فهد الهندال بعد الأمسية: شرايك في الجمهور؟.. قلتُ: قليل.. ثم انتبهتُ إلى أن إجابةً كهذه تنقصها بعض السعرات الذوقية فتداركتُ: "ولكنه نوعي"، وبالفعل لا يمكن أن نصف جمهوراً من بين أفراده إسماعيل فهد إسماعيل وليلى العثمان وفوزية شويش السالم وحمد الحمد واستبرق أحمد إلا أنه نوعي.

في مطار الكويت، كنا جلوساً في قاعّة الانتظار رقم 3، نفعل ما يفعل المنتظرون والعاطلون عن السفر: نربي النظر!। كنتُ أشاهد "النجوم" على الطبيعة للمرة الأولى. هذا فوزي بشير وهذا حسن مظفر، وهذا "كانو"، وهؤلاء "ما زالوا" ينتظرون تعطّف "الناقل الوطني" بإعلان الموعد الجديد للإقلاع. كنتُ أحملق فيهم وأنا أفكر أنهم تجسيد حي لعبارة صن تسو في "فن الحرب": "المحاربون المنتصرون ينتصرون أولاً، ثم بعد ذلك يخوضون غمار المعركة". كانوا على الأرجح يدركون أنهم "نجوم "، لذا فقد بدوا متحفظين بعض الشيء. حركاتهم محسوبة بدقة، ويوزعون ابتساماتهم بالتقسيط المريح॥ من ذلك النوع من الابتسامات الذي تحدثتْ عنه بشرى في "غبارها"، حين يخرج المرء من البيت فيتذكر أنه نسي حمْل ابتسامته معه فيضطر لإخراج ابتسامة جاهزة من حقيبته، ابتسامة تؤدي الغرض، " وتمنح المرء شعوراً مباغتاً بالسعادة، عيبها الوحيد، فقط، أنها لا تدوم طويلاً ". قررتُ أن أصور مع عماد الحوسني وأُرِي الصورةَ بعد ذلك لأخي الأصغر محمد ليعرف أن النجوم لا تبزغ إلا لتراني!. سمعتُ جارتنا مرةً تتباهى أن بيت صهرها لا يبعد كثيراً عن بيت عماد في الخابورة. قلتُ له في محاولة لخلق حوار – ونحن واقفان في القاعة تأهباً لالتقاط الصورة - : "تراني من صحم .. يعني جيران ".. فردّ بابتسامةٍ مُجامِلة: "صحيح؟.. ما شاء الله ". وما هي إلا ثوانٍ حتى التُقِطَتْ لنا الصورةُ التاريخية التي توثّق لحظة التآخي الخلاق بين الثقافة والرياضة!.

في ذلك اليوم لم أكن قرأتُ بعدُ السؤالَ المرعبَ الذي طرحه سالم العمري في "شرفات": أيهما أكثر تأثيراً وإلهاماً في عيون الشباب العُماني: علي الحبسي أم سيف الرحبي؟॥ لم يُخْفِ العمري ( وهو – للمفارقة – مقدم برامج ثقافية حالي في التليفزيون، وسابق في الإذاعة ) لم يخفِ انحيازه الواضح كشاب للرياضة ضد الثقافة، ليس فقط في رده السريع على نفسه بدون أدنى تردد، ودون أن يرمش له جفن، أو تَطْرف له عين، أو ترتجف له شَفة: "بالتأكيد علي الحبسي"، بل أيضًا لأنه جعل اسم هذا الأخير سابقاً للرحبي في ديباجة السؤال، رغم أن منطق السن والتجربة ( بل وحتى الحروف الأبجدية ) يقضي بتقدم صاحب "المدية الواحدة التي لا تكفي لذبح عصفور" في السؤال مادام لن يستطيع – وا أسفاه ! - أن يتقدم في الجواب.. يا للرعب!.. لكأنك تتمشى في أمان الله في حديقة غنّاء فيفاجئك أحد القتلة المأجورين: "اكتشفنا أن أمك وأباك ما زالا على قيد الحياة، في حين أن كثيرين في مثل سنك ووضعك يعيشون يتماء الأب والأم، وهذا ليس عدلاً। عليك الآن أن تختار بسرعة: نقتل أمك ؟ أم أباك ؟ ". فترتبك وتتلعثم ويتساقط العرق من جبهتك بغزارة، بمَ تجيب!.. صحيح أن سيف الرحبي لم يحترف في بولتون ولكني أكاد أقسم أنه قادر على صد ضربة جزاء بسهولة.. أما علي الحبسي فيمكن اعتباره بامتياز "رجلا من الربع الخالي" وجد نفسه أكثر في "الربع الممتلئ"، وقد أذهب أبعد من ذلك لأقول إنه هو عينه "الجندي الذي رأى الطائر في نومه "!.

كان حسن ربيع هو من سجل هدف الفوز في مباراة الأمس، وقبلها كان هو هداف كأس الخليج، وكان طبيعياً أن يكون الأكثر طلباً للتصوير في قاعة المطار.. كنتُ أرقبه وهو يبتسم للصورة وأفكر: سبحان الرزاق المعطي. وتذكرتُ الشقة التي صورتْه كل الفضائيات وهو يستلمها بُعيد المباراة النهائية لكأس الخليج وسبحتُ في حلم يقظة طويييل:
أبو علي في شقته الفاخرة في "غرفة تخص المرء وحده" – على رأي فرجينيا وولف - يستيقظ صباحاً على "مسج" من الشاعر إسحاق الخنجري। يبتسم وهو يقول في نفسه : "ما أجمل أن تبدأ يومك بشعر جميل". يضع أبو علي الهاتف بجانب السرير ويتوجه إلى الحمام، وهناك يتناهى إلى سمعه نباح كلب في شقة الجيران فيتشاءم مستذكراً عبارة كاواباتا في إحدى رواياته: "إذا نبحك كلب في الصباح فتلك إشارة على أن يومك سيكون سيئا". بعد خمس دقائق يتذكر أبو علي أن هاتفه بحاجة إلى تعبئة، فيعود أدراجه إليه ليضعه في مكبس التعبئة ريثما ينتهي من طقوسه الصباحية المعتادة. لا يجد الهاتف!. يخرج إلى جاره سلطان فيطلب منه الاتصال به فيكتشف أن هاتفه صار مغلقًا!. يقول له جاره: "أشم رائحة لص، تأكد من محفظتك". يمسك بالمحفظة فيفاجأ بأن اللص الذكي الفطِن السميدع الجريء الحاذق الماهر المتمرس انتزع نقوده منها كما تُنْتَزع الشَعرة من الحساء، ولكنه ليس لصاً شريراً بدليل أنه ترك له بطاقاته الشخصية لم يمسسها سوء. يتصل سلطان بالشرطة، ليأتي شرطيان ويوبخاه على ترك المحفظة في غرفته في مكان بارز، مؤكّدَيْن حتى قبل أن يجف حبر الورقة التي يسجلان فيها تفاصيل السرقة أن القضية ستقيّد "سرقة بسبب الإهمال"!. ولا أدري كيف انتقل المشهد بهذه البساطة من الشقة الفاخرة إلى حارتنا القديمة، حيث وجدتُني لاعب كرة في بداياته يلعب لفريق الحارة، وإذا بمدرب أحد الأندية العالمية الكبيرة كان ماراً بالصدفة في حارتنا لشراء بعض الزلابيا، وإذا به يشاهدني ألعب. قال لي زميل في الملعب: " انتبه ॥ هذا مورينيو أوكامبو مدرب ريال مدريد". فطفقتُ أكثف من مراوغاتي لألفت انتباهه، حتى لقد كسرني مدافع الفريق الخصم فسقطتُ أرضًا وأنا أتلوّى من الألم، ورأيتُ المدرب يوليني ظهره متأهباً للمغادرة، فأُسقِط في يدي ووجدتُني أصرخ بكلام لا أعرف كيف خرج من فمي، ولكن يبدو أنني تعلمتُه في المدرسة: "الله الله في أمري: اجبرني فاني مكسور، اسقِني فاني صََدٍ، أغثني فاني ملهوف"، فمضى ولم يلتفتْ بينما يتعالى صراخي: "إلى متى التأدم بالخبز والزيتون؟، قد والله بح الحلق وتغيّر الخلق". وظللتُ على هذه الحالة إلى أن أيقظني صوتُ أحدهم وهو يقول بفرح: الطيارة ستطير بعد أربعين دقيقة.

بينما كانت الطائرة تكنس غبار السماء خرج صوت من كابينة القيادة يطلب من المسافرين الاستفادة من ميزة " المسافر السندباد " التي تُمنَحُ لمن يسافر كثيراً مع هذا الناقل الجوي। كدتُ أن أصرخ من الغيظ: " اخرس॥ السندباد كان يحترم مواعيده " لكنني لعنتُ إبليس!. بالتأكيد لن أستطيع أن أشاهد الدنيا من نافذة الطيارة لأنني كنتُ في المقعد الأوسط.. عن يساري بشرى، وعن يميني بجوار النافذة رجل خمسيني أسمر أبيض اللحية، يبدو من هيئته أنه مشجع عتيق للمنتخب. قرأتُ في الصحيفة التي أمامي أن أحد لاعبينا أصيب في الملعب، فقررتُ أن يكون هذا مدخلي لجاري الودود: "كيف حال الشيبة"؟.. رد: "الحمد لله .. طلع من المستشفى". التفتُّ لأم ناصر لأخبرها أن مبارك العامري خرج من المستشفى أيضًا، وسيسافر قريباً إلى تايلند ليكمل العلاج، ولكنني وجدتُها منهمكة في قراءة رواية "الوارفة" لأميمة الخميس، والتي أهدتْها إياها باسمة العنزي. إنْ أنسَ كل ما سردتْه لنا باسمة خلال هذه الرحلة لا أنسى حديثها عن قصة "موت أنيق" للقاص السعودي الذي كان مقيماً في الكويت خلف الحربي، عن نحات مبدع وهو في الطائرة عائداً إلى أرض الوطن، "يفتح المجلة على صورته وهو يتسلم جائزة المعهد الأوربي للفن الحديث التي كان فاز بها الأسبوع الماضي وشرع يقرأ الخبر للمرة العاشرة، ممنيًا نفسه باستقبال حافل يليق بإنجازه"، ليجد فعلاً جمهوراً كبيرًا بانتظاره، ولكن ليس لاستقباله، بل لاستقبال نجم "ستار أكاديمي"!.

ربما لأنه حرمني من مكاني المفضل على النافذة قررتُ أن أستفز الرجل الخمسيني، ففتحتُ فمي كأي انتحاري لا يخشى العواقب: "يقولون ضربة الجزاء على منتخبنا صحيحة"। رد بانفعال: "وين صحيحة الله يهديك! . الحكم حاول يجاملهم، لكن هويدي بيّض وجوهنا". وصَمَتَ قليلاً ثم أردف: "ربك ما يضرب بعصا॥ منتخبه هذا الحكم هزموه على أرضه في نفس الليلة!". ورأيتُ رجلاً يلتفتُ من مقعده إلى الوراء، أذكر أنني رأيتُه في فعاليات ثقافية وما توقعتُ أن أراه مشجعاً للمنتخب الوطني. سألتُ جاري: "كأني أعرفه هذا الرجل". فأوضح أنه فلان الفلاني من أعضاء مجلس إدارة اتحاد الكرة، وأنه تلقى أمس أثناء المباراة ضربة في ظهره بقنينة ماء من قبل الجمهور. تذكّرتُ الرجل بمجرد ذكر اسمه، ووجدتني أقول لنفسي وأنا أنظر إليه: " لو مع اللوحات بقيتَ ما قذفوك ولا ضربوك "!.

قرأتُ في بعض التحليلات الرياضية أن هؤلاء هم المنتخب الذهبي لعُمان. وأن السلطنة لتحافظ على هذا التفوّق بحاجة إلى تشكيل منتخب رديف من شأنه أن يحافظ على منجزات المنتخب الأصلي. وشخصياً لا أعرف إن كان هذا المنتخب قد شُكِّل أم ليس بعد. ولكن إذا لم يكن "لوروا" قد شكله فما الضير لو كان هذا المنتخب الرديف من المثقفين: سيف الرحبي رأس حربة مثلاً، وأحمد الفلاحي حارس مرمى، وسماء عيسى "ليبرو"، وخالد عثمان "مسّاك"، ومحمد الرحبي ظهير مهاجم ليتسنى له - كما تمنى في أحد مقالاته - أن يرفع دشداشته بعد أن يسجل الهدف ليكشف عن عبارة "تضامناً مع غزة" المكتوبة في بطنه. ولا مانع أن يحترف بعض لاعبي هذا المنتخب في الخارج: على المعمري في الأهلي المصري، وناصر البدري في مانشيستر الإنجليزي ( بطلب شخصي من السير اليكس فيرجسون ! )، ومحمد اليحيائي في نادي جالاكسي الأمريكي بديلاً لبيكهام. وهلمّ جرياً في الملعب.. ألن يكون هذا بحق منتخب الأحلام؟!. الانتصارات الكبيرة بدأتْ بحلم، ولا شيء يمكن أن يقف في وجه الإرادة الحقيقية. و"عندما يناضل المرء من أجل كل ما تحت السماء فعليه أن يناله كاملاً"، هكذا تحدث صن تسو أيضًا. قبل عشر سنوات كان حصولنا على كأس الخليج ليس أكثر من حلم، أما اليوم فقد أصبح الحلم واقعاً معيشاً، واحتفل به الجميع، ليس فقط المهتمون بالرياضة، بل كل عُمان، مواطنوها ووافدوها. في ليلة الانتصار، وبسبب الاحتفالات التي عمّت السلطنة بأكملها
احتجتُ لثلاث ساعات لأنتقل من مبنى الإذاعة إلى البيت في حين كان لا يستغرق الطريق في الأحوال العادية أكثر من خمس وعشرين دقيقة। ثمة من تذكّر بمرح حكاية العربي الذي حزم وسطه وأخذ يرقص ابتهاجًا. احتفل بالانتصار حتى مَنْ لم نتوقعه. وقد روى أحد الظرفاء أنه شاهد بعض الكتّاب والمثقفين الذين لم يكونوا يوماً متابعين أو مشجعين لمباريات الكرة، شاهدهم في تلك الليلة يدخلون حانة جون بيري بُعَيْد المباراة وهم في حالة انتشاء عارم ويهتفون بالنادل: "كلنا نبيذ واحد"!.

في صالة المطار وبينما أنا أنتظر حقائبي اتصلتُ بأخي حمد لأخبره أنني وصلتُ فكان رده: " أنا بعدني في بركا، ربع ساعة وأكون عندك"। وما هي إلا دقائق حتى اكتمل عقد حقائبي الثلاث ووضعتُها في العربة। أي تواطؤ قدري هذا الذي جعل حسن ربيع يمشي أمامي ونحن متوجهان إلى صالة استقبال القادمين!। كان يمشي بطوله الفارع متأبطاً حقيبة رياضية صغيرة، وبدوتُ أنا خلفه بعربتي وكأنني حامل حقائبه!। وما إن ظهرنا للجمهور، ( بتعبير أصدق وأكثر دقّة: ما إن ظهر حسن وأنا وراءه ) حتى توالت الترحيبات: "شرفتنا"، "يا مرحبتين"، "مبروكين"، "بياض الوجه"، "لو سمحت صورة"।
تركتُه يبتسم للهواتف النقالة ومضيتُ مُنكّساً رأسي جارّاً عربتي باستحياء.

الأربعاء، 7 أبريل، 2010

يوميات بودلير

أن تقرأ يوميات بودلير يعني أن ترى الحياة بعين شاعر حقيقي ، يكتب كما يعيش ويعيش كما يكتب .. أن تُستلب بالتأملات والرؤى البكر التي قُدر لها أن تصلنا (على الأرجح) في صورة الدفق الأول ، وذلك لأنها نُشرت بعد وفاة كاتبها بعشرين عاما ، ما يعني أنه لم يتح له أن يشذبها أو يجري عليها عمليات تجميل .. يتبدى لنا بودلير في هذه اليوميات ( وكما يصفه مترجمها إلى العربية الشاعر التونسي آدم فتحي) كأوضح ما تكون الرؤية : يفكر ويشك ، يحسم ويتراجع ، ينحاز ويتخلى ، يهجم ويدافع ، يمدح ويهجو ، يقارع الحجة بالحجة ، ويتخذ لنفسه موقعا من كل ما حفل به عصره (بودلير عاش في الفترة ما بين عامي 1821 و 1867) ، هذا العصر الذي نضح بمتغيرات عدة ، وعج بأسماء لامعة في الفكر والفلسفة والعلوم والأدب ( هيجل ، كانط ، كارل ماركس ، فكتور هوجو ، فلوبير ، أوغست كونت ، داروين ، شوبنهاور .. الخ ) ولعل هذا ما يصنع لهذه اليوميات أهميتها التاريخية .. قد نشاطر بودلير اعجابه بـ (ادجار ألان بو) أو (أوفيد) أو (فاجنر) ، وقد لا نشاطره سخريته من فولتير وموليير وجورج صاند ، لكننا نسجل له أنه مارس حريته في قول ما يريد (بل وفعْل ما يشاء) ومضى ، هو الذي يتحدث في يومياته عن أن الروح تمر بحالات تكاد تكون فوق طبيعية ، يتجلى أثناءها عمق الحياة بأكمله في أي مشهد يتاح للعين مهما كان عاديا .. ان النظر الى عمق الحياة هي مهمة الشاعر الحقيقي .. لكن الشاعر لا بد أن يكون إنسانا قبل كل شيء ، بما يحمله هذا الانسان بداخله من تناقضات صارخة : الحب والكراهية ، الصدق والكذب ، الخوف والاقدام ، النبل والخسة ، الغموض والوضوح .. إن المواءمة بين الشرط الشعري والشرط الانساني هي التي تصنع الشاعر الحقيقي أو ما يسميه بودلير (الداندي) نسبة الى (الدانديزم) الذي يعرفه بودلير بأنه المعادلة الخيميائية التي بفضلها يلتحم الشاعر بالانسان لانجاب الكائن الأسمى : الداندي .. هذا الداندي عليه ، حسب بودلير ، أن يعيش ويموت أمام مرآة ، وأن يكون عظيما في نظر نفسه قبل كل شيء اذ أن "الأمم لا تنجب العظماء الا مرغمة .. اذن لن يكون الرجل عظيما الا اذا انتصر على أمته جمعاء"، كما أن الداندي عاشق للفن والجمال ، ولكن ليس الجمال النمطي المكرس والقار .. الجميل عند بودلير هو شيء ما متأجج وحزين ، شيء ما يفسح المجال للتخمين .. ويجعل من شروطه الغموض والندم ، ويضيف اليهما شرط التعاسة .. وهو بذلك لا يزعم أن الفرح لا يجتمع مع الجمال ، لكنه يعتقد أن الفرح حلية من أكثر حلي الجمال سوقية ، بينما الكآبة هي اذا صح القول قرينة الجمال الرفيعة الى الحد الذي لا يتصور معه بودلير نموذجا للجمال لا تسكنه التعاسة
* * *

شذرات من يوميات بودلير


عندما يأوي المرء الى فراشه ، تتمثل الرغبة الدفينة لجميع أصدقائه تقريبا في أن يروه يموت .. بعضهم للوقوف على أن صحته كانت أسوأ من صحتهم .. والآخرون يخامرهم أمل ما ، في معاينة الاحتضار

* * *
ما من فتنة للحياة حقيقية غير فتنة اللعب .. ولكن ماذا لو كنا غير مبالين بأن نكسب أو نخسر ؟.
* * *

فيما يختص بالنوم ، تلك المغامرة الكئيبة لكل ليلة ، كان يمكن القول إن الناس ينامون يوميا بجرأة غير معقولة ، لولا أننا نعرف أنها جرأة الجاهل بالخطر .
* * *
يقال إن عمري ثلاثون سنة .. ولكن اذا عشتُ ثلاث دقائق في كل دقيقة ، ألا أكون في التسعين ؟
* * *
الإنسان يحب الإنسان ، إلى حد أنه لا يهجر المدينة الا ليبحث عن الحشد مرة أخرى ، أي ليعيد صنع المدينة في الريف
* * *
يبدو لي الانسان المتعلق بالمتعة ، أي بالحاضر ، في هيئة رجل متدحرج من عل ، أراد أن يتشبث بشجيرات ، فاقتلعها وجرفها معه في سقوطه

الخميس، 1 أبريل، 2010

نفق ساباتو

''الروايات الكبرى هي التي تغير الكاتب حين يكتبها، والقارئ حين يقرأها''.. لأول وهلة قد يستغرب المرء حين يعرف أن قائل هذه العبارة عالم فيزياء.. ولكن الدهشة ستتبدد حين نعرف أن ذلك العالِم قرر هجر الفيزياء واتجه إلى كتابة الروايات.. ''النفق'' واحدة من الروايات التي يمكن الزعم أنها قادرة على تغيير القارئ بعد أن يقرأها .. ومن باب أولى فهي غيّرتْ كاتبها ارنستو ساباتو بعد كتابتها إذ حولتْه من العالِم الحاصل على الدكتوراه في الرياضيات والفيزياء والعامل في مختبرات ''كوري'' بباريس شاهداً على تحطيم ذرة اليورانيوم وما سينجم عن ذلك فيما بعد من أخطار تهدد البشرية وتنذر بجحيم كوني، حولته إلى روائي فذ عُدَّ واحداً من أهم روائيي القرن العشرين، برغم قلة إنتاجه الروائي الذي لم يتعدَّ ثلاث روايات، هي ''النفق'' عام 1948 ''صدرتْ عن الدار الوطنية الجديدة عام 2004 بترجمة عبدالسلام عقيل''، و''أبطال وقبور'' عام ،1961 و''أبدون'' عام ..1967 ومع هذا، فإن ساباتو يؤكد في الحوار الذي أجرتْه معه الروائية التشيلية ايزابيل الليندي ونُشِر في مجلة ''باولا'' أنه ليس كاتباً محترفاً، وأنه يكره الأدب والأدباء، مضيفاً: ''كوني كاتباً أمر لا يعجبني، كان بودي أن أكون عالم آثار أو عالم لغة، أو أن تكون لي ورشة ميكانيك صغيرة في حي غير معروف''.
كان بطل أولى رواياته ''النفق'' رجل مجنون انطوائي مكتئب على الدوام، ويردد: ''كون العالم فظيعاً، فهذه حقيقة لا تحتاج إلى برهان''.. إنه رسام يدعى خوان بابلو كاستيل لم يتمكن من التواصل مع أحد، ولا حتى مع المرأة الوحيدة التي يبدو أنها فهمتْه من خلال ما يرسم، والتي سيقتلها في النهاية بدافع الغيرة.. يردد كاستيل في الرواية: ''كان هناك في جميع الأحوال، نفق واحد فقط، مظلم وموحش: نفقي أنا''، لكننا سنكتشف نحن القراء أنه ''نفقنا'' نحن أيضاً الذي سندخله طائعين، ولن نكون نحن حين نخرج منه ''إذا قُيّض لنا أن نخرج''.
يقول ساباتو إن من يريد أن يختار الكتابة فعليه أن يكتب عندما يصل به الأمر إلى حد لا يطاق، عندما يُدرك أنه قد يصاب بالجنون إن لم يكتبْ..
وعلاوة على أنه كاتب كبير وفنان، فإن المزية الأهم لساباتو - كما يقول الشاعر العراقي باسم المرعبي في دراسة له بمجلة نزوى - هي أنه قدم للأدب ما لا يمكن أن يقدمه غيره بسبب من خلفيته العلمية الصرف، ما ساعده على أن يضفي تفكيراً منطقياً علمياً على مجمل أفكاره وتصوراته عن الكتابة والفن عموماً.. ونستطيع القول - يضيف المرعبي - إن الكتابة قد حظيتْ برصيد كبير بانتقال ساباتو إليها، وعبر فهمه تصيب الرواية مكانة غير معهودة، فهو يعتقد أنها تتفوق على البحث والفلسفة؛ لأن بإمكانها أن تجيب على التساؤلات. وما ذلك إلا لأن الرواية هجين يقع وسط الطريق بين الأفكار والعواطف''.
''النفق'' رواية تدفعك للتفكير والتأمل، ولا يمكن أن تظل أنتَ أنتَ بعد فراغك من قراءتها.