الثلاثاء، 30 مارس، 2010

امبااااع


امبااااع

     ثَغَتْ الشاة .
     سقطتْ دمعة من عين عبدالفتاح المنغلق على حافة السكين المشحوذة بعناية .
     قبل عشرين سنة كان عبدالفتاح يحب العيد ، وخاصة حين يطلق مفرقعاته في المصلى بانتظار انتهاء الخطبة .
     قبل ثلاث سنوات فقط بات المنغلق يتشاءم من العيد .. تحديدا منذ قال له أبوه :
-        فضحتنا قدام الخلق
قالها أبوه في ثالث أيام العيد ، عندما كان أهل القرية مجتمعين لتناول وجبة الشواء في سبلة[1] الشيخ سعدون بن خويطر .. قال الشيخ لأبي عبدالفتاح : " ما شا الله شواكم لذيذ ، باين عليه التيس اللي ذبحه عبدالفتاح كان كبير" .. قال  الأب : أنا اللي ذبحت التيس .
     لم يفهم الأب مغزى تعليق الشيخ إلا حين سمع رده على طلبه الذي طلبه قبل أسبوع من العيد .. أثناء شرب الشاي ، وعلى مرأى ومسمع كل من كان في المجلس قال الشيخ :
-        الظاهر ما في نصيب يا بو عبدالفتاح
ذهل الأب من رد الشيخ الذي لم يتوقعْه ، فعبدالفتاح من نفس فخيذة[2] قبيلة الشيخ ، وقليلون من شباب القبيلة من يستلمون راتبا كراتبه :
-        أيش فيه ولدي يا شيخ ؟
رد الشيخ بصرامة :
-        اللي ف حياته ما ذبح هايشة[3] كيف أستأمنه على بنتي ؟!!
اسودَّ وجه والد المنغلق واعتزل الناس ستة أشهر بعد تلك "الفضيحة" .. وقال لولده بصوت متهدج :
-        قلبي ما راضي عليك لين أشوفك تذبح .
قالت الأم :
-        يا ولدي ما يجوز تغضّب بأبوك .. التيس اللي بتذبحه ما أهم من أبوك .
     عبدالفتاح المنغلق يعي جيدا أن والده أهم من التيس ، المسألة فقط أنه أجبن من أن يذبح دجاجة ! .. ولعله كان يعوّل الكثير على موقف حبيبته العنود بنت الشيخ سعدون .
     وهب الله العنود ذاكرة قوية ، فهي ما تزال تتذكر حكاية إشرافها على الغرق في الوادي قبل ثلاث عشرة سنة لولا الصبيّ الذي تصادف وجوده هناك وتشبثها بطرف إزاره .. أقران الصبي الخبثاء لقّبوه "شجاع غصب" مُشيعين أن سر نجاحه في إنقاذها هو قبضته القوية على إزاره مخافة أن يتعرى أمام الفتاة ، رغم أن قبضته على الإزار كانت بيد واحدة فقط في حين كانت اليد الأخرى تتشبث بنتوء صخري وسط الوادي .. لا أحد يستطيع تأكيد ما إذا رأت العنود شيئا لا ينبغي أن تراه في تلك المعمعة ، لكن المؤكد أنها أُغرمت بالصبي منذ ذلك اليوم ، وحتى بعد أن صارت معلمة في مدرسة البنات في القرية .
     قبل ثلاث ليال من العيد الذي تلا عيد الفضيحة قال الأب لابنه : ستذبح ..
ولما لم يذبح عبدالفتاح تقدم مسعود بن بشير لخطبة ابنة الشيخ ، فكان أن رُفِض بسبب أقاويل وصلتْ إلى مدرسة البنات بأنه "يشرب الخمر" .
     قبل ثلاث ليال من العيد الثاني بعد الفضيحة قال عبدالفتاح : ما أنا بذابح .. فكان أنْ تقدم راشد بن منصور لخطبة العنود ، فتم رفضه بسبب شائعات وصلتْ إلى مدرسة البنات بأنه كان "يقْرم الماي"[4] .
     قبيل هذا العيد ، والذي يأتي ثالثا بعد الفضيحة قال الأب : إذا لم تذبح فاخرج من بيتي . وقالت العنود : إذا لم تذبح فاخرج من قلبي .
     بكى عبدالفتاح وارتمى في حضن أمه التي قالت :
-        يا ولدي كل شي في بدايته صعب ألين تتعود .
وأرته كيف تذبح دجاجتها .
     بُعيد صلاة العيد خلع عبدالفتاح دشداشته .. دخل إلى الزريبة وخرج بمعية الشاة .
     سقطتْ دمعة من عينه على حافة السكين المشحوذة بعناية .
     ثغت الشاة .


[1]  سبلة : مجلس 
[2] الفخيذة : فرع من القبيلة
[3] هايشة : بهيمة أو حيوان
[4]  يمضغ الماء .. عبارةْ شعبية كناية عن الشذوذ الجنسي

عَطْسٌ

 
عَطْسٌ

        عندما أصابت عبدالفتاح المنغلق نزلة زكام حادة حمَدَ الله أنْ لم يخلقه دجاجة .. ولأن عبدالفتاح انتهازي كبير فقد قرر أن يستغل زكامه الاستغلال الأمثل .. أولا : ذهب إلى مديره وعطس في وجهه ، فقرر الأخير منحه إجازة لمدة أسبوع .. وهو يخرج من المكتب فكر أن اللحظة المناسبة قد حانت لمصالحة حبيبته التي هجرته منذ أسبوع لنسيانه عيد ميلادها ، فقد سمعها ذات مرة تقول إن الرجال حين يمرضون يثيرون الشفقة .. أخرج هاتفه من جيبه وطيَّر زكامه إليها في رسالة مقتضبة .. في طريقه إلى شقته التي لا تدخلها الشمس كحَّ عبدالفتاح وهو يتخيل الضجة الكبيرة التي سيثيرها حين يحقق أمنيته .. كان منذ نعومة أحلامه يتمنى أن يشار إليه بالبنان ، أن يُدرَج اسمه في قائمة المخترعين والمكتشفين من دون أن يضطر إلى إجراء مائة تجربة في معمل أو تسيير سفينة لجزر الواق واق .. منذ خمس سنين وبضعة أشهر قرأ المنغلق في إحدى الصحف أن العين هي العضو الوحيد في جسم الإنسان الذي لا يمكن أن يبقى مفتوحا أثناء العطس .. ومنذ ذلك اليوم وعبدالفتاح لم ييأسْ بعدُ من أنه قادر على إثبات العكس .. عندما واتته العطسة حَمَدَ الله وأثنى عليه ، وتذكر صديقه الذي أخبره ذات مساء أن هذه هي حركة آدم الأولى ، لكنه سرعان ما وبخ نفسه لأنه نسي فأغمض عينيه .. " في المرة المقبلة لن أنسى " قرر عبدالفتاح وهو يصعد بسيارته الجسر .. هذه "المقبلة" سوف لن تتأخر كثيرا ، وسوف لن ينساها المنغلق طوال حياته .. فقد كان يفصله عن الاصطدام بالسيارة التي أمامه عطسة صغيرة .. فكر عبد الفتاح وهو يرى إلى سائق السيارة المصدومة يشوّح بيديه بطريقة غاضبة من خلف زجاج النافذة أن العين بحاجة إلى مراس لكيلا تنغلق أثناء العطس .. عطس عبدالفتاح المنغلق بشدة محتجا على تجمهر الناس حوله وكأنه ارتكب جريمة نكراء حين عطس .. في مكتب شرطة المرور راوده خاطر أن خدمة الرسائل الهاتفية معطلة هذا اليوم وأن زكامه لم يصل بعْدُ لحبيبته .. وبعد أن أقرَّ في أوراق رسمية أن العطس يسبب حوادث السير استقل سيارة أجرة إلى شقته التي لا يدخلها القمر .. وحين عطس فتَحَ السائق النوافذ بحركة سريعة وهو يصرخ : "يرحمك الله" .. رد عبدالفتاح : "يهدينا ويُصلح بالكم" .. كان المنغلق قد بلغ من الإعياء مبلغاً بحيث أنه بات لا يقوى على الذهاب إلى عيادة .. نَقَدَ السائق أجرته وودعه بعطسة .
     ارتمى عبدالفتاح في سريره واضعاً عُلبة المحارم الورقية غير المعطّرة بجواره .. حلم أنه يعطس كثيرا بعينين مفتوحتين على العالم وجميع أشيائه الحية والميتة .. وفي الصباح جمع عبدالفتاح المنغلق كومة المحارم الورقية المضرجة بالمخاط وقذف بها إلى القمامة .. اكتشف أنه لم يعد يعطس فقرر قطع إجازته ، لكنه ما لبث أن ألغى الفكرة حين تذكر أن سيارته ترقد مريضة في مكان بعيد .. فتح هاتفه فانتثرت الموسيقى الرومانسية في أرجاء الغرفة .. "جرّبْ لعبة أخرى أيها المحتال" .. مسح الرسالة بلا مبالاة وقرر أن يُعدَّ لنفسه كوبا من الشاي .. فكر وهو متوجه إلى المطبخ أن الرجال حين يُشْفَوْن من المرض يثيرون الشفقة ! .

الأبيض والأسود


الأبيض والأسود

     عندما رأى عبدالفتاح المنغلق فتاته ترفل في الأسود ، لم يفكر قط  أن ابتسامتها بيضاء .. فكر فقط في قتل معلمه في الابتدائية الذي أدخل في رأسه أن الأسود لون شرير .. دار في خلده وهو يتأمل بياض عينيها أن علاقته بالأبيض لم تكن سيئة قبل اضطراره اليومي للذهاب إلى مقر عمله أبيضَ بكثير من السوء .. ألهذا إذن بات لا يشرب الحليب إلا إذا مزّق بياضَه الشايُ ؟! .. "الأبيض بالإكراه ليس سوى أسود" تمتم في سرّه لئلا تسمعه جدران مكتبه البيضاء .. تذكّر فتاته وهي تبرر سوادها في لقاء الأمس ، وهو التبرير الذي يتلخّص في أن رجلا من أهلها مات في ازدحام شديد قبل أن يتمكن من رجم الشيطان بسبع حصوات صغيرة .. يزعم عبدالفتاح المنغلق أنه لم يكن غبيا ولا أحمق حين دعا فتاةً ملبدةً بالأسود الذي لم يجفّ بعد ، إلى السينما .. بل كان يستغل – كأي انتهازي خبيث – معرفتَه بأن الشيطانَ لم تشجّه حصوات الرجل .. الفتاة رفضتْ بالطبع ، ولكن من قال إن المنغلق كان يعوّل كثيرا على موافقتها ؟!.. كانت حكمته في الحياة أن مزرعةَ الخيال وفيرةُ المحاصيل ، فقط اسْقِها ..
     سقى عبدالفتاح المزرعة وتوجّه إلى سينما الشاطئ .. هناك حجز تذكرتين في المقاعد العلوية التي تتيح الرؤية بوضوح ، إضافة إلى ميزاتها الأخرى .. لم ينسَ أيضا أن يشتري كيسَيْ فوشار .. "سندريللا مان" عنوان مخيّبٌ لآمال عبدالفتاح الذي كان يفضّله فيلماً بالأبيض والأسود ، لكنه علل نفسه بأنه ربما يكون فيلماً مناسبا للمرحلة ! .. نظر إلى يمينه وقال بابتسامة غير مصطنعة : أنت سندريللا ، وأنا "مان" .. لم يندّ عنها ما يوحي بأنها سمعتْه في ضجة الموسيقى المنبعثة من الشاشة الكبيرة .. بعد حوالي ربع ساعة نظر المنغلق إلى فتاته بنصف عين : " يا الهي ! .. ماذا لو أن أخاها ملاكم ! " .. بعد دقائق معدودات سيكتشف عبدالفتاح أن الملاكم القوي سيتحول إلى شحّاذ لا حولَ له ولا قبضة ، لأن يده مكسورة ، وروحه كذلك ! .. لا يحب عبدالفتاح هذه النوعية من الأفلام التي تعرّيه من الداخل ، علاوة على أن مشهد القوي الذي يتحوّل فجأة إلى هشّ كنملة هو مشهد لم يعد قادرا على إدهاشه نظراً لأنه أَلفَه كلّ مساء في المرآة .
        في اللقطة الرومانسية المؤثرة التي جمعتْ راسل كرو ورينيه زويلويغر التفتَ عبدالفتّاح الى يمينه وهَمَسَ : "إنهما يتعانقان ! " .. كانت مندمجة فلم يشأ أن يُعيدَ همستَه ( همسات عبدالفتاح المنغلق طبيعية وغير مفتعلة ، لذا فإنها لا تُعادُ ) .. كان فُتاتُ الفوشار يتساقط تحت قدميه دون أن يشعر .. في منتصف الفيلم أظلمت الشاشة إيذاناً باستراحة قصيرة .. نظر عبدالفتاح إلى فَتاته فانذهل حين رأى أسنانها البيضاء .. خَطَرَ بباله أن المكان أسود وأن ضحكتَها هي الأبيض الوحيد ، كأنها نجمة يتيمة في ليل بهيم .. عرف لحظتَها أن الشيطان ، لا غيره ، هو مخترع السينما .. فجأة اشتعلت القاعة بالنور لتُظلمَ بعدها بدقائق ويواصل جيم برادوك رحلة الهروب من ضعفه .. انتابت عبدالفتاح رغبة بريئة في أن يواصل متابعة ما تبقى من الفيلم ويدُه نائمة في يد فتاته .. لكنها سرعان ما تكفلتْ بقمع رغبته تلك لأنها " عيب" .. كان على الملاكم ليستعيد ما مضى من مجده الغابر أن يُنازلَ ملاكماً آخر اشتهر بقتل كل مَنْ يُنازلُه .. ولقد بكى عبدالفتاح حتى اخضلت لحيته حين رأى ماي برادوك تودّع جيم برادوك بالدموع قُبَيْلَ دخوله الحلبة .. "هكذا هي الزوجة وإلا فلا " دمدم بصوت خفيض وهو يزدرد الفوشار الذي زادتْه دموعُه ملحاً على ملح .. في معمعة اللكمات الرائحة الغادية شعرَ عبدالفتاح المنغلق أن قلبه حمامة على وشك الطيران .. التفتَ إلى يمينه وقال بلهجة حادة : "لنذهبْ من هنا بسرعة " .. قالتْ : "إنها الدقائق الأخيرة من الفيلم ، انتظرْ قليلا " .. امتعضَ عبدالفتاح وغادر المكان بسرعة سنجاب مذعور ، تاركاً فَتَاتَه ترفل في الأسود .. وفُتَاتَه أيضا .

الصابونة


الصابونة

     قهقه المذيع الجوال حتى بانت نواجذه على الهواء مباشرة عندما سمع إجابة عبدالفتاح المنغلق عن سؤاله التقليدي جدا :
-       بما أنني سنويا أراك في هذا المعرض بمَ تنصح محبي الكتب ؟
قال عبد الفتاح :
-       لا يستهينَنَّ أحدكم بالصابونة !
     عندما عاد عبد الفتاح إلى شقته توجه فورا إلى المكتبة .. صف الكتب الجديدة بعناية طالباً منها أن تؤنس وحشة أخواتها في النسب .. من هذه القديمة انتزع "العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية" من أنفه وتوجه به إلى غرفة النوم .. وهو مستلق على السرير فتح الصفحة الأولى وقرأ الإهداء:

حبيبي عبدالفتاح :
" أفضّل أن أنام عندما يكون الجو أكثر إظلاما"                     
    
حينما كتب لويس سبولفيدا هذه الكلمات في الصفحة 109 لم يكن ليتوقع أن امرأة جميلة ستستعيرها لتهديها حبيبها . " السنوات تمر سريعا " قال المنغلق وهو يفتح أحد أدراج السرير بحثاً عن صورة .. حملق في الصورة مليا وغاب في العينين العسليتين .. سألهما :
-       أحقا لم تريا الصابونة تسقط في الكيس ؟!
يجدر التنويه لمن لا يعرف الحكاية أن الصابونة سقطتْ في الكيس في نفس التاريخ المدون في الإهداء .. كانت حبيبته تعرف مدى شغفه بالكتب ، فقررتْ في لفتة ذكية أن تهديه في عيد ميلاده كتباً بعدد سنوات عمره ، متخيرةً من كل كتاب عبارة ذات مغزى لتدونها له في الصفحة الأولى كإهداء .. عندما أخرج المنغلق الكتاب السابع والعشرين والأخير اكتشف أن ثمة كتيّبا صغيرا قابع في أسفل الكيس .. ظنه في البداية كتيّب أذكار وأدعية ، ولكن ما إنْ حمله في يده حتى اكتشف أنه ... صابونة !
-       آه .. إنها صابونتي الجديدة .. يبدو أنها سقطتْ خطأً في الكيس .
صحيح أن حبيبة المنغلق جميلة ، لكنه يعرف جيدا أنه لم يشغف بها إلا لأنها ذكية .. لم يكن سهلا إذن أن يُصدّق هذا التبرير  .. "إن وراء الصابونة ما وراءها " .. هكذا حدّث عبدالفتاح نفسه الأمّارة بالسؤال .
     قال الطبيب النفساني : لعلها أرادت أن تقول لك إن العقل النظيف في الجسم النظيف .. اقرأ واستحم !.
     قال الفيلسوف : الكتب تلوّث العقول ، ومن هنا جاءت الصابونة .
     قال العراف : إنها النهاية .. بعد الرقم 27 ستغسل الأرض أدرانها كما تغسل الصابونة الأجساد .
     ارتعب عبدالفتاح من التأويل "الصابوني" الأخير فهرع الى صديقه الذي كان يصطاد سمكاً على الشاطئ .. ضحك هذا الأخير وقال ساخراً :
-   يا غبي .. إنها تتعمد إهانتك .. تقول لك انه إذا كانت 27 كتابا غير قادرة على إخبارك أنك قذر ورائحتك نتنة ، فوحدها الصابونة القادرة على ذلك .
الآن بعد خمس سنوات من الحادثة ، لا يعرف عبدالفتاح  مَنْ يصدّق بالضبط .. ما يعرفه حقاً أن عبد الفتاح المنغلق بعد الصابونة يختلف تماما عن عبدالفتاح المنغلق قبل الصابونة .. ولا يدري حتى اللحظة هل كان قراره صائبا بفسخ الخطبة ! .

حرية شخصية


حرية شخصية

     لا يهمني أن ينظر إليَّ بتلكما العينين الشريرتين .. التحديق في الزرقة الأخاذة حرية شخصية .. ثم إنه حتى الأعمى سيلاحظ بلا شك أنها هي التي تحدّق في شاربي ..
هي : زرقة مؤطرة بالسواد الضروري لحراسة البياض من الرماديين .
هو : عينان من شرّ ترشقان المشهد بعناصر الخراب .
أنا : تيه ممزقٌ بين زُرقتها وصُفرته .. تيه يُسمّونه : عبدالفتاح المنغلق !
     الأمر إذن هكذا : لأدخل عتبة الابتسامة وأنعم بسوسناتها ، عليَّ أولاً أن أعمل على تحييد نظراته الشريرة .. سأتجاهله وحسب .. سأقول انه حكّة في خاصرتي وأنا في حضرة الملكة .. سأقول أيضا إن هذه المرأة وارفة الزُرقة ، المسيجة بالسواد ، وحيدة كبحر هجره المصطافون .. وما الابتسامة سوى حيلة للتملص من الهواء المثقل برائحة العزلة .. ربما كانت عاشقة ، وهذا ما يفسر نظرتها التائهة .. لكنها تبتسم .. أيكون حبيبها من التقط الصورة ؟! .. على الأقل كان موجودا لحظة التصوير .. لعلها تذكرت لهاثهما على الشاطئ فابتسمتْ .. المصورون يقتنصون اللحظات كما تقتنص المبيدات الحشرات .. وصاحب العينين الشريرتين يحاول اقتناصي .. أيكون حبيبَها ؟! .. لا أظنُّ ذلك .. وجهه يوحي بأنه خارج للتوّ من سجن في كهف ، ولا زرقة في الكهوف .. لعل مأمور السجن هو من التقط الصورة كإجراء روتيني قبل الإفراج .. ولكن ما الذي يجمع صورتين متناقضتين في صحيفة صفراء واحدة ، وفي مكانين متجاورين ؟! .. أيكونان زوجين من المشاهير ؟! .. آااه لو أني أُجيد لغة هذه البلاد الغريبة التي تلتهم روحي بشراهة :
-   يا أيتها العجوزُ المطمئّة ، القاعدة على مقعدك كأنك شاهدة على خراب العالم : لا لغةَ لي ، فهل تُجيدين تأويل الصور في الصحف الصفراء ؟!
     لكنها تشتمني بعينيها فأنكص إلى قواعدي غير سالم .. الأمرُ برمّته يحتاج إلى أُمّ .. لكن أمي بعيدة ، وأنا وحيد في أرض غريبة لا أخالها تصلح لأن تكون أمي .. وأنا أحبُّ الله ، لأنه وهبني عمرا فضفاضاً ، وعلمني أن صُدفة طازجة واحدة خير من ثلاثة مواعيد معلبة .. لستُ مني إنْ لم أبتكر صُدْفتي السعيدة الآن .. ها هما يدخلان ويختاران الطاولةَ المواجهةَ لي .. وجهُها مقابل لوجهي ، وظهرُه يتجاهلني .. انه ظهرُ سجين كما حدستُ .. يبدو أنه حوار حميمي وإلا ما كانت لترشقه بكل هذه الابتسامات .. هل تعلم أن ابتسامتَها تذهبُ أبعدَ من المدى الذي تظنَُ ؟! .
     قبل أن أقوم من مقامي هذا فليعلم الجميع أنني لستُ عذولا .. أنا فقط غريب ضيّع عناوينه في ابتسامة لامرأة زرقاء :
-        من فضلكما ، لغتي منكسرة ، وسأسأل فقط هذا السؤال بيديَّ وأرحل : هل أنتما صاحبا هاتين الصورتين ؟
     يا الهي .. انها بلاد تحترفُ الشتمَ بالعيون .. ولكني لن أعتذر .. سأكتفي بمغادرة المقهى وترك الصحيفة مكانها .. أن أرى امرأة زرقاء ورجلاً شريراً في صحيفة ، ثم في مقهى ، ثم في أحلامي – إنْ شئتُ – هي محض حرية شخصية .

كاريزما


كاريزما

     لم يكن عبدُ الفتاح المنغلق يوماً من المهتمين بنشرات الأخبار ولا من الذين يناصبونها العداء بحجة أنها تلوث الهواء بأنباء الحروب والأعاصير .. كان يعي تماما أنه ليس أكثرَ من حصاة بائسة في طريق وعر .. وعندما يخرج عبد الفتاح كل مساء من علبته الأسمنتية كان يتناثر في الشوارع كبطّيخة شُقَّتْ للتو .. ذات مرة : مشى وعيناه في النجوم فكان أن تعثر بثياب الليل الطويلة فانكفأ على يقينه .. قال لنفسه وهو يرى إلى الواجهة الزجاجية : "المطاعم وُجدتْ لتسكتَ نباحَ المعدة" .. اختار طاولة بالقرب من التلفاز ، وشرع بالحملقة في السحنات المحيطة به وهو يتمتم : ما الذي يفعله السأم في هذه الساعة المتأخرة ؟! .. في الواقع لم تكن الساعة متأخرة ، بل سأمُه هو الذي بكر هذه الليلة بحجة أن لديه موعدا مهما صباح الغد .
     قلنا إن عبد الفتاح المنغلق ليس من هواة متابعة الأخبار ، لكنا لم نقل البتة انه ليس من هواة التفرس في جمال قارئات النشرات .. نادى عبد الفتاح النادل البنغالي وهتف وهو يشير بسبابته : "انظر أليست تنظر إلي ؟!" .. ابتسم النادل ابتسامة لا أحد يعلم إلا والدته في دكا أنها لا تخرج من فيه إلا حين يشتم أحدا في سره .
     عبدالفتاح المنغلق يعلم جيدا أن الحياة طلقة من ذهب حتى قبل أن يقرأ ذلك في كتاب بغلاف أسود .. "انظر أليست تنظر إلي؟! " ..كرر سؤاله على البنغالي الذي كان لحظتها يؤثث الفراغ بالضحكات المكتومة .
     كانت عيناها فراشتين في مطلق .. وكانت شفتاها ترتفعان وتنخفضان كأرجوحة أطفال .. هل قالت إن عبوة ناسفة انفجرت في مكان ما ؟! .. هل بشّرتْ بعواصف تربت على ظهر الأرض ؟! .. هل كان صوتها حادا كشفرة ؟! .. هل كان هادئا كخرير فيضان ؟! .. لم يكن المنغلق ليكترث بهذه الترهات وهو يرى تلك الابتسامة التي توزع يواقيتها على عابري السبيل بأريحية .."التفاصيل في التقرير التالي " فكرةٌ جهنمية لتعكس الضفافُ ظِلَّ عبد الفتاح المنغلق في مراياه ..فكر عبد الفتاح أن تلك الابتسامة الباذخة بين التقرير ومقدمته وكأنها ضفة آسرة بين نهرين عظيمين ليست سوى برزخ باهر بين شوك الوردة وعطرها الأخاذ ، وحين انتهت النشرة أدرك عبد الفتاح المنغلق وهو ينظر إلى طعامه الذي لم يتسنه أنه لا يمكن أبدا حبس ابتسامة في صندوق .. قام من فوره ، ونقد النادل ثمن وجبة لم تؤكل .. وترك المطعم وراءه مُطلِقاً روحه لليل .

خطأ فادح


خطأ فادح

     عندما سئل عبدالفتاح المنغلق عن تعريفه للخطأ الفادح كان بديهيا أن يحك ذقنه بحركة لا إرادية ليداري جهله .. ولعله ظن أن الخطأ الفادح لن يكون فادحاً إذا ما كنتَ تملك القدرة على تعريفه .. ليس إذن من قبيل الاستظراف أو إساءة الأدب أن يرد التلميذ على أستاذه :
-       الخطأ الفادح أن تجعلنا نفكر في الخطأ الفادح !
     فكر عبدالفتاح المطرود من القاعة لارتكابه خطئاً فادحا ، فكر في أخطاء حياته التي يظنها هي الأخرى فادحة .. كان أهمها نسيانه مضغةً صغيرةً منه في كل مكان يذهب إليه .
     عندما عاد إلى شقته وجد النيران قد التهمتْ الصالة وذلك لأنه نسي إطفاء أسطوانة الغاز قبل خروجه .. فكر أن هذا خطأ فادح .. ترك الشقة وتوجه إلى المقهى القريب الذي كان يواعد فيه حبيبته قبل أن يفقدها بسبب خطأ فادح اسمه الوردة ! .. كانا يتنزهان في حديقة ، عندما أعجبته وردة حمراء فاشتهى أن يراها في صدر حبيبته :
-       إن قطف الورود خطأ فادح .
     ولم يرها منذ ذلك اليوم ، رغم أنها تعرف إن اختفاءها يؤذي ما تبقى من وردته ، هي التي قالت له ذات حب :
     - إن إيذاء من كان مثلك خطأ فادح .
     قالت الوحدة للمنغلق لما لكزها الحزن في الخاصرة : فلتغادر المقهى .
     قال البحر : تعال أُجبْ عن السؤال الذي طردك من قاعة الدرس .
     داخل البحر توصّل عبدالفتاح وبشكل مفاجئ يشبه الإلهام ، وبتأثير من الزرقة الساحرة المتواطئة مع ليل مجنون ، إلى الإجابة .. خاض البحر بقدميه ، وعيناه في النجمة البعيدة .. وعندما وصل الماء إلى فمه ، فكر عبدالفتاح المنغلق أن الحياة برمتها خطأ فادح .

المنبه


المنبّه

     قبل أن ينام تأكد أن المنبه مضبوط على السادسة .. يدرك عبدالفتاح المنغلق أن وضع الرأس على الوسادة في حالة إنهاك شديد لا يمنع إطلاقا حضور صورة المدير العام .. "هذه آخر مرة أقبل فيها حجة واهية كهذه ".. ما يزعج عبدالفتاح أن لهجة مديره كانت توحي بأنه غير مصدق أن المنبه هو الذي لم يكن يرن .. كان المنغلق يستيقظ في التاسعة ، فقط لأن المنبه ينسى كل يوم أن يرن في السادسة .. لكنه هذه المرة مصمم أن يستيقظ في الوقت المناسب .. ذكاء عبدالفتاح المنغلق لا يساعده على إدراك أن أحلام المنهكين مفتوحة على جميع الاحتمالات .
      قال المدير العام : "سأقتلك بهذه الحربة أيها المتسيب" .. صرخ عبدالفتاح مفزوعا وهبَّ واقفا على الفور .. تأكد أن المنبه مضبوط على السادسة .. عاد إلى سريره وهو يقول : "الحمد الله الذي سيرزقني أربع ساعات نوم" .. فجأة قال عبدالفتاح بصوت مسموع :" أنا بشر يا سيادة القاضي ، وليس عدلا أن أؤخذ بجريرة آلة غبية ".. لم يقل القاضي شيئا واكتفى بأن ابتسم .. شيء ما أدخل في روع عبدالفتاح أن هذه ابتسامةُ جزار على وشك أن يذبح نعجته فقرر أن يستيقظ ليتأكد أنه ضبط المنبه .." الحمد لله الذي سيرزقني ثلاث ساعات نوم " .. ثم أن والدة عبدالفتاح فرحت كثيرا حين قُبِل أخيرا في الوظيفة بعد بحث دام ثلاث سنوات .."أريدك  أن تتزوج يا بني .. قلبي يحدثني أن المنبه غير مضبوط " .. ولأنه يطمع في الجنة التي تحت قدميها فقد قام وتأكد أن المنبه مضبوط حامدا الله أن سيرزقه ساعتي نوم .. ثم أن عيني حبيبته جميلتان وكذلك شفتاها وهي تقول إنها لا تحب الكسالى وان لديها ساعة بيولوجية مضبوطة .. كان يقود السيارة بسرعة فيما يتأمل العدسات اللاصقة .."انتبه يا حبيبي ".. يعلم عبدالفتاح المنغلق انه لكي ينتبه المرء لابد أن يكون المنبه مضبوطا .."الحمد لله الذي سيرزقني ساعة نوم كاملة "..سوف ينجز ما تبقى من المعاملات .. وسوف ينال رضا مديره العام الذي لن يكتفي بترقيته ، بل سيستغل علاقاته الأخطبوطية ليظفر له بقطعة أرض سكنية تجارية قرب شاطئ القرم .
***
     في الخامسة والنصف تماما ارتدت الدشداشة  عبدالفتاح المنغلق واعتمره المصر الأخضر ذو الخطوط المزركشة ..كانت الساعة وهو يغادر الغرفة السادسة إلا عشر دقائق ..فكر عبدالفتاح وهو يدخل من باب المؤسسة أن المنبه سينسى هذه المرة أيضا .

الفاشيست


الفاشيست


     لا أعرف بالضبط معنى كلمة "فاشيست" لكني أدرك أنها كلمة مهمة وخطيرة ما دامت خرجت من فم أقوى رجل في العالم .. وأدرك أيضا أن معناها غير جيد وينبئ بشرّ كان مستطيرا ، لأن هذا الرجل الطيب عودنا على تحذيرنا من كل ما من شأنه أن يكدر صفونا ، وينكّد علينا حياتنا .. ألم يسبقْ أن حذّرنا من قبل من "التيروريزم" ؟! .. كان عليّ إذن أن أتعامل مع هذا التحذير بجدية ، ولذا فان أول أمر أفعله كل صباح بعد استيقاظي مباشرة وتوديعي للأحلام السعيدة  هو أن أرفع يديَّ إلى السماء وأضرع بالدعاء : "اللهم قني شر الفاشيست" .. ذات مرة كنتُ مستغرقاً في قراءة كتاب عندما ظهر لي فجأة مؤلفه من بين السطور حتى لقد ارتعبتُ وقلتُ : " هل أنتَ فاشيست ؟؟ " .. فضحك وقال  : " وما هو الفاشيست يا عبدالفتاح ؟" قلتُ : "لا أعرف .. ولكنه أمر خطير ويودي بحياة الناس"  .. لكنه وبخني قائلا : "لعله كان أمرا جيدا ، لا يجب أن تتخذ موقفا من شخص أو شيء دون أن تعرفه" .
      أغلقتُ الكتاب وقررتُ أن أعرف الفاشيست .. في الطريق إلى السيارة صادفتُ جارنا الذي يعمل مدققا لغويا في الصحيفة اليومية التي لا أشتريها فسألتُه عن الفاشيست ، فقال : افتح المعجم ، باب : فاش يفيش .. ولأنني لا أثق كثيرا في المعاجم لأنها كثيرة التقعر والتحذلق ، فقد تركتُه بعد أنْ رشقتُه بابتسامة صفراء ، وركبتُ سيارتي متوجها إلى سوق الفاكهة والخضار .. وفي الطريق شاهدتُ رجلاً يؤشّر بيده فأوقفتُ السيارة .. أخبرني أنه يريد مساعدة لأن إطار سيارته "فشّ"[1] .. أدركتُ لحظتَها وأنا أردد داخلي "فشّ" أن "الفاشيست" له علاقة بنقص الهواء .. وبعد أن تركتُه سعيداً باكتشافي الفاشيست أعادني بائع الفاكهة إلى الحيرة من جديد عندما سألتُه عن التفاح فأجابني بسؤال استنكاري : "ما تشوفه قدامك فايش[2] ؟ " .. لا يمكن أن تخطئ أذن بصيرة مثل أذني التشابه اللفظي بين "فاشيست" و"فايش" .. قلتُ في نفسي : "لعل الفاشيست دودة تؤدي لتسمّم التفاح ، وربما جميع الفاكهة والخضروات" .. لكنني سرعان ما استبعدتُ الفرضية عندما رأيتُ البائع يلتهم التفاحة أمامي بشراهة ..
     عندما عدتُ إلى بيتي غيرَ مصطحبٍ ظلي قررتُ أن أقلّب الكلمة في ذهني كما يُقلّب الطباخ البيضة في المقلاة .. لعلها كلمة لا تنتمي إلى اللغة العربية الفصحى قدر انتمائها إلى لهجة محكية .. ولأنه لم تكن أمامي سوي لهجتي واللهجة المصرية يمكن أن أزعم أنني أفهمهما جيدا فقد توصلتُ إلى الاكتشاف التالي : "فاشيست" هي أقرب إلى الجملة المصرية : "مفيش ست " ، وعليه ، فان الفاشيست هو الرجل الأعزب أو الأرمل أو المطلّق ! .. بيد أن هذا الكشف لم يصمد كثيرا بعد أن عرضتُه على بعض الأصدقاء ، ومنهم مصريون .
     بتُّ الآن معتاداً على دعاء " اللهم قني شر الفاشيست" في كل مكان أذهب إليه وبصفة خاصة حين أجلس أمام شاشة التلفاز وأشاهد الأخبار :
أشاهد أخبار فلسطين وأدعو : "اللهم قني شر الفاشيست"
وأشاهد أخبار العراق وأدعو : " اللهم قني شرّ الفاشيست"
ولبنان وأدعو : " اللهم قني شر الفاشيست"
وأفغانستان : " اللهم قني شر الفاشيست"
والصومال : "اللهم قني شر الفاشيست"
وكل العالم : "اللهم قني شرّ الـ....."
وأنا واثق أنني يوماً ما سأعرف ماذا تعنيه كلمة "فاشيست" .


[1]  فرغ من الهواء
[2] فايش : عبارة دارجة تقال كناية عن الكثرة والزيادة

جدي والعريش


جدي والعريش

    
        أوصاني جدي ألا أدخل العريش الذي كان ينام فيه إلا بعد أربعين يوما من وفاته .. ولكن بسبب خطأ في الحساب دخلتُ في اليوم التاسع والثلاثين فرأيتُ دشداشة بيضاء معلقة في مشجب كرجل مشنوق ، يتدلى من جيبها الأيمن فاتورة ، ومن الأيسر فاتورة أخرى .. تسمّرتُ مكاني من الهلع وخرج مني صوتٌ يشبه المواء : "أنا آسف ، أنا لم أقصد الدخول ميااو" .. وسمعتُ نباحا يخرج من الدشداشة المعلقة فارتعدتْ فرائصي وفررتُ مذعورا خارج العريش ، ووصلتُ إلى أمي وهتفتُ وأنا ألهث : "أعيديني إلى رحمك" ..  ففعلتْ عن طيب خاطر ، ولكنني لم أرتح للنوم متكوماً بطريقة الجنين فرفستُها وخرجتُ .. ورأيتُ القرية كلها تجري ناحية عريش جدي فركضتُ وراءهم .. كانوا يقفون صفاً أمام العريش .. كلما دخل واحد خرج مفزوعا يطارده نباح الكلب .. وما هي إلا سويعات حتى سمعتُ القرية كلها تموء مثلي فحمدتُ الله وشكرتُه .. في اليوم التالي دعانا الشيخ سعدون بن خويطر لاجتماع .. تنحنح وماء ، ثم قال : "صرنا قريةَ سنانير ، فماذا ترون ؟" .. قال الذي أسرّتْ لي أمي أنه هو من أكل جدي : "لا بد من قربان نسترضي به الجن ، ليس أمراً هينا الدخول على جني وهو في وضع غير ملائم" .. ورأيتُهم ينظرون اليَّ فارتعدتُ وطفقتُ أجري وأموء ، وهم يجرون خلفي ويموؤون .. وتعثرتُ أثناء ركضي بنتوء صخري فسقطتُ برأسي على حافة الفلج .. والآن هذه المرأة ذات البدلة البيضاء تقول إنني يجب أن أشرب من يدها الكأس .. وأن أمي رحلتْ قبل لحظات ، وقد تعود اليوم ، أو تعود غدا .. وتقول أيضا إن جدي بالخارج ، وسأل عني غير مرة !! .. بعد أن حمل الممرض الطعام قال جدي معاتبا : "أما كان بإمكانك أن تصبر يوما واحدا ؟!" .. قلتُ : "أنتَ تعرف يا جدي أن المادة الوحيدة التي كنتُ أرسبُ فيها هي الرياضيات" .. قال : "عندما تخرج من هنا فان عليك أن تحرق ذلك العريش وإلا ظللتُ تائها في الأرض" ..
     بعد خمسة أشهر خرجتُ من المستشفى فوجدتُ جنودا يحيطون بالعريش وينظمون حركة الجموع المحتشدة حوله .. سحناتٌ عجيبة أراها لأول مرة .. قلتُ لإحداها : القرية تغيرتْ كثيرا في غيابي ! .. قال : "أنا لستُ من هذه القرية" .. عرفتُ بعدها من أمي أن كل أهالي القرى المجاورة يأتون يوميا ليستمعوا لنباح الرجل المشنوق .. ومازالت محاولاتي لحرق العريش مستمرة حتى بعد مضي عشرين عاما .. الجنود كانوا منتبهين دائما ، يحبطون محاولتي في مهدها .. المرة الوحيدة التي تمكنتُ خلالها من إشعال النار تم إطفاؤها بسرعة وهي محض جذوة .. الناس نسيتْ جدي الآن ويظنونه ميتا .. أنا الوحيد الذي ما زلتُ أراه ، يتنزه يوميا في القرية وينظر إليَّ بعتب .

الخروف الضائع !


الخروف الضائع !

   

 ماذا يعني هذا ؟!! .
        أن يستيقظ المرء صباح كل يوم في الساعة نفسها بالمنبه نفسه ، بعد ليلة ملأى بالكوابيس نفسها ، وأن يشرب القهوة المُرة ذاتها ضاماً شفته العليا إلى السفلى في كل رشفة.. أن يرتدي البياض ذاته الذي سيُجلله من الأخمص حتى الكتفين ، أما السواد العلوي فسيُحكم ربطه جيدا بقماشة مزركشة لئلا يطير! .
     أن يهرع إلى صديقته اليابانية التي تنتظره منذ الليل أسفل العمارة ، وحين تسير به في الطرقات ستشترط عليه أن يتوقف قليلا لتشرب "قهوتها" هي أيضا ، تلك القهوة التي لن تعرف أن تشربها إلا من خلال خرطوم طويل .. أن يدفع ريالاً لعامل المحطة الذي يبدو من تثاؤبه أنه لم ينم جيدا في الليلة الفارطة ، ويشتري الجريدة نفسها التي لا يستغرق في قراءتها في العادة أكثر من دقيقة واحدة .. أن يشاهد في الشارع المرصوف بالقار والأمنيات السيارات ذاتها تتهادى كفئران مذعورة .. أن يشعر بالسأم فيضغط على زر أمامه ليستمع إلى الكلام ذاته عن الأكلات الضارة بالصحة والقَوام ، والى الحوار الدرامي نفسه الذي لا بد أن تتخلله عبارة " تو انتي مالش كذاك يا حرمة ؟!! ".. أن يضطر آن وصوله لمقر عمله أن يلف ويدور بصديقته لنصف ساعة على الأقل قبل أن يجدا مكانا يليق بانتظارها ، والذي سيكون في الغالب مكانا تحت الشمس حيث كل شيء واضح وحار! ..
     أن يفتح باب مكتبه بالمفتاح ذاته ويدخل بالقدم نفسها ، ماراً على المنسقة العجيبة ذاتها التي لا تستطيع إنجاز أي عمل دون أن تضحك! .. أن يندفن وسط كومة من الأوراق والملفات حتى لا يكاد يُرى .. أن يفتحَ الصفحة الأخيرة من الجريدة ليبدأ يومه بالأخبار الطريفة .. أن تكون الصورة التي تشغل حيزا كبيرا من الصفحة  لملكة جمال أندونيسيا وأعلاها عنوان ببنط عريض : " عودة إندونيسيا إلى منافسات ملكات الجمال ".. أن يفكر أنه إذا ما أسعفه "حنان" مديرته ووافقتْ على إجازته السنوية سيسافر إلى جاكرتا .. أن يمرر عينيه في العناوين بحثا عن خبر يشدّ يكون حافزا له ليعمل بنشاط .. أن يقرأ :

وفاة مهرب نيجيري بعد انفجار المخدرات في معدته باليابان ..
التغلب على سرطان الثدي بالمشي ..
وفاة صبي اختبأ في عجلة طائرة ..
يزود شقيقه بالمخدرات داخل قاعة المحكمة ..
صبغات الشعر لا تسبب السرطان ..
خروف ضائع ينقذ صاحبه من الموت..

   أن يبدأ بقراءة الخبر الأخير بانشداه :
" أنقذ خروف ضائع منذ ثلاث سنوات حياة أحد المزارعين في الجبال النرويجية في منطقة ستوردالن .. وقال صحيفة أفتنبوستن أن المزارع أرني تورالف ميانغر لمح الخروف الشريد وقد نما الصوف على ظهره بشكل كثيف .. وقال ميانغر : …. "[1]    أن يقاطع استرساله في قراءة الخبر رجل بوجه صغير وأنف طويل ونصف شنب ليخبره أن اجتماعا سيبدأ بعد قليل وعليه أن يحضره .. أن يفكر وهو في الاجتماع أنه نسي في الليلة البارحة أن ينام جيدا ، وأنه نسي أيضا أن يتنفس جيدا .. أن يخرج من غرفة الاجتماعات مهرولا ليكمل حكاية الخروف الضائع ليتفاجأ بأن أحدهم أو إحداهن سطا على الجريدة في غيابه وجعلها نسيا منسيا .. أن ينسى الخروف والجريدة الضائعين ويندس في الأوراق والملفات حتى يُفاجَأ أن المساء قد حل ، المساء نفسه الذي يحل كل ليلة .. أن يخرج من المكتب بالقدم نفسها ويغلقه بنفس المفتاح .. أن يفكر بينما تسير به صديقته اليابانية إلى المقهى نفسه الذي يتوجه إليه كل ليلة ، أن يفكر أن جبال النرويج بعيدة .. أن يعرّج في الطريق على أقرب دكان سائلا عن جريدة اليوم .. أن يدور بخلده بعد خروجه من الدكان الثالث بلا جريدة أن ثمة قوة خفية لا تُريده إكمال حكاية الخروف! .
     أن يستقبله النادل بالترحاب ذاته : "ازيّك يا فيلسوف؟" .. أن يطلب نفس الشاي بنفس الحليب بنفس الزنجبيل .. أن تغزو خياشيمه رائحة المعسل نفسها التي لا تطيقها رئتاه .. وأن يستمع إلى الثرثرة نفسها عن آخر مغامرات "البلوتوث" وقطعة الأرض التي ظهرت أخيرا في العامرات .. واهتمام ريال مدريد بضم بالاك .. وعن الشريط الجديد الذي يصرخ فيه صاحبه "ما في أحد مرتاااح "! .. أن ينضم إليه الأصدقاء أنفسهم الذين يلتقي بهم كل ليلة .. أن يتبادل معهم الثرثرة ذاتها عن العمر الذي يذهب بسرعة ، وعن الأشياء الجميلة التي تغيب .. وعن الحنين، والفقد ، والهواء الآخذ في النفاد .
     أن يغادر مقهاه آخر الليل متعمدا المرور من الشارع الفرعي ذاته الذي لا يؤدي إلى بيته ، الشارع نفسه الذي يمر عليه كل ليلة ، الشارع الذي ينتصب على مقربة منه منزل جميل بطابقين ، كان قبل ثلاث سنوات فقط بطابق واحد .. أن يُردد في نفسه وهو يوقف سيارته ليمارس حملقته اليومية في البيت : ما أجمل أن نترك الأشياء لتَكْبُر! .. أن يشعر بفداحة التضليل الذي تمارسُه عبارتُه تلك فيعيد صياغتها مرة أخرى : ما أجمل أن تتركنا الأشياء فتَكْبُر! .. أن تنداح في مخيلته صورة الرجل والمرأة اللذين كانا يسكنان البيت قبل السنوات الثلاث : الرجل الذي يحب أم كلثوم ولا يحب الهمبرجر ، والمرأة التي تحب الهمبرجر ولا تحب أم كلثوم .. أن يتساءل داخله : ماذا لو أنه أحب الهمبرجر ؟! .. ماذا لو أنها أحبت أم كلثوم ؟! .. أن يقود سيارته تاركا البيت القديم متوجها إلى البيت الآخر الذي لم يعد جديدا .. أن يدخل الغرفة نفسها بعد أن يفتحها بالمفتاح نفسه ، ويلقي بنفسه في السرير ذاته بعد أن يخلع البياض .. أن يمسك بالكتاب ذاته الذي بدأ قراءته منذ شهر ولم يفرغ بعد .. أن تُطل عليه من الصفحات صورة الخروف الذي لم يكمل حكايته .. أن يقرر قبل أن يُغمض عينيه : غداً إذا ما استيقظتُ ، لا بد أن أصل إلى نهاية الحكاية ، حكاية الخروف الضائع! .


[1]  هذا الخبر والأخبار الأخرى المشار إليها في القصة نُشرت في العدد 4976 من جريدة القدس العربي الصادر بتاريخ 26 مايو 2005

أقول وقد ماتت بقلبي حمامة


أقول وقد ماتت بقلبي حمامة



 أنا واثق أنكم لستم بحاجة لمن يسرد لكم حكاية تافهة عن حمامة ميتة ، لأن هذا أمر عادي .. بل إن بعضكم قد يكون خارجا الآن من مطعم فاخر بعد أن التهم وجبة حمام مشوي دسمة ، دون أن يرفَّ له جفن أو يخطر بباله سؤال بسيط من قبيل : من أين جاء الحمام الذي أكله ؟ .. حسنا .. أنتم لستم بحاجة ، ولكني جدُّ محتاج لأسرد حكايتي قبل أن يتفاقم هذا الانهيار الذي أحسه يزلزل روحي من الداخل .. ومع هذا ، يلزمني التنبيه إلى أن ما سأقوله لا دخل له بكلام صديقي هنري جيمس الذي يتفاخر بأنه يرصد انهياره الخاص زاعما أنه عندما يسرد المرء انهياراته فان كل شيء يمكن أن يكون مفيدا ! .. وعموما هو ليس هنا الآن لأسأله عن الفائدة التي يمكن أن يجنيها قاتلُ حمام من سرده حكاية الحمامة التي قتلها ! .
     سأعترف الآن مادامت الأمور وصلت إلى هذه الدرجة من التدهور أن حمامةً ميتة فقط ، كهذه التي سأخبركم عنها ، هي كل ما كان ينقصني لأدق المسمار الأخير في نعش إنسانيتي .. يقترف الإنسان أحيانا أشياء غير متوقعة ولكنها تتواءم وانحداره الشخصي العام .. قبل عدة سنوات من الآن صببتُ جام غضبي على أولئك الذين يتلذذون بذبح العصافير ، ولم يدر بخلدي ساعتئذ أنه سيأتي عليَّ يوم أهرس فيه حمامة .. نعم .. هذا هو التعبير الدقيق .. هرستُها .. ليس بيدي ، ولا برجلي .. بل بعجلة السيارة !! موفِّرا لهذه المسكينة ميتة أشنع ، وأسرع ، تليق بالقرن الحادي والعشرين ! .
     للأمانة ، أنا لا أحب فرويد ، ولا أعرف شيئا عن اللاوعي المتكوم في أسفل المعدة .. سأخبركم فقط عن وعيي .. أنا لم أشأ أن أقتلها .. قسماً برب الحمام والعصافير لم أشأ ذلك .. من أراد فليصدقني ، ومن لم يُرد فليصدقني أيضا لأنني في هذه اللحظة بالذات أشعر أنني أصدق مَنْ على وجه البسيطة .. أنا أعرف مثلا  أن الإنسان يحتاج دائما إلى من يخبره بأن فعلته ليستْ شائنة وأنهم لو كانوا مكانه لفعلوا الأمر ذاته ، ولكن صدقوني أنا لا أسرد لكم هذه لحكاية لهذا السبب .. ماذا؟! ..كأني أسمع أحدكم يزعق بي من بعيد : "تباً أيها السفاح ، لقد قتلتَ أفقر شاعر في الأرض : الحمامة" .. فلْتقسُ عليَّ أيها الزاعق لأني أستحق أكثر من هذا ، وخاصة إذا عرفتَ أن علاقتي بالحمام لم تكن سيئة على الإطلاق .. المسألة ليست سوء تفاهم مع الحمام .. المسألة هي أنني لم أعد إنسانا ، رغم العينين ، واللسان والشفتين ، والنجدين اللذين تتعثر خطواتي بينهما .. صديقي عدنان سالم هو أول من انتبه لهذا الكشف عندما نصحني أن أنظر في المرآة قبل أن أنام في آخر الليل ..كانت أذناي أطول من المعتاد ولكني تجاهلتُ الأمر وعزَوتُه لأسباب فسيولوجية .. ساعدني على هذا أنْ لا أحد لاحظ ذلك غيري ، حتى عدنان نفسه لم يلاحظ أن أذنيَّ تطولان يوماً بعد آخر .. ولعله لاحظ ولكنه أشفق عليَّ من الحقيقة ! .
     حدث كثيرا فيما مضى أن اعترض طريقي سرب حمام أو عصافير ، وكنتُ أتعمد ألا أخفض سرعة السيارة لثقتي التامة أن هذا السرب سيطير في اللحظة الأخيرة قبل أن أصدمه .. وهذا ما كان يحدث بالضبط .. لن أعدم الآن بالطبع من سيتهمني بأن عدم إبطائي لسرعة السيارة ناجم عن توجيهات خفية من لاوعيي المشاكس ، وأنا لن أنفي لأنني كما أخبرتكم لا أعرف شيئا عن هذا المشاكس سوى أنه مستقر في قاع المعدة .. غير أن المدهش في هذه الحكاية كلها أن هذا الصباح بالذات لم يكن مناسبا بالمرة لدعس حمامة .. فأنا أولا كنتُ بكامل نشاطي وتفتحي الذهني بعد أن تحصّلتُ على سبع ساعات نوم كاملة لم أوتَها منذ فترة طويلة .. ثم إنني لم أكن أقود سيارتي في الشارع السريع الذي لا يتيح لي تفادي المفاجآت .. بل إن السيارة كانت تمشي وكأنها لا تمشي في الزقاق القريب من بيتنا .. ورأيتُها .. كانت تدرج على الشارع بهدوء وثقة .. كنتُ أقترب منها ومع هذا لم تفكر في الطيران .. لم تكن تعرج في مشيتها لأستنتج أن عطباً ما أصاب جناحيها .. عندما اقتربتُ منها كثيرا بحيث أصبحتْ في منتصف المسافة بين الإطارين الأماميين لم أرَ شيئا يحلق في الفضاء كما كنتُ أتوقع .. لماذا لم تطر ؟! .. هل كانت تنوي الانتحار ؟! .. هل كانت تتحداني ؟! .. هل تجرؤ ؟! .. لا أحد يستطيع أن يحزر ما يمكن أن تفكر فيه حمامةٌ ذاهبةٌ للموت في الصباح الباكر ..
      بعد أن تجاوزتُها نظرتُ متلهفاً في المرآة الأمامية التي يسمونها عين القط .. أتُراني أردتُ الاطمئنان عليها أم التأكد بأنني سحقتُها ؟! .. مضت السيارة إلى الأمام مسافة ليست بالقصيرة قبل أن أحزم قراري بالعودة لأراها ..عدتُ ولكني لم أر شيئا .. لا الحمامة .. ولا أي أثر يدل عليها ، ريش مثلا أو بقع دماء .. أنا متأكد أنها لم تطر لأن عينيَّ وعين القط كانت مفتوحة بانتباه .. فتشتُ على جانبي الطريق ولم أجدها .. حدستُ أنها علقت في أسفل السيارة ، وربما في الإطار .. انبطحتُ وحملقت بتركيز شديد ولكني لم أر شيئا .. من فوري هرعت إلى ورشة التصليح القريبة .. نزلتُ في الحفرة التي تمكنني من رؤية أسفل السيارة بوضوح .. لم أرَ شيئا .. يبدو أنها سقطت في الطريق إلى الورشة .. الإطارات الأربعة مليئة بالتراب ولكن لا آثار لدماء .. لعلها انمحت في الطريق .. حتى العامل الذي طلبتُ منه الحملقة بتركيز لم ير شيئا .
     أنا متأكدٌ أنني دعستُها .. ولكن لا أدري أية فكرة جهنمية هذه التي واتتها وهي في النزع الأخير كي تمنعني من رؤيتها تموت .